من تاريخ المسرح السعودي

 

ما أعرفه .. أن المسرح ينشط ليعالج قضايا العامة (الشعب) ويناقش الظواهر الاجتماعية ويتخذ من المشكلات المشتركة قوتا لنصوصه ودافعا لمخرجيه ومنبعا لإبداع ممثليه والمسرح يولد غالبا نتيجة ظروف تقاسيها المجتمعات ونظرا لمرور السعودية  بنهضة جبارة تعتبر ثورة في المجالات العمرانية والاقتصادية خلال العقود الماضية ساعدت على استقرار المجتمع السعودي (البدوي والريفي والمديني) من النواحي الأمنية والاقتصادية وبروزه بثقل سياسي مهم  وزادت ارتباطه اللصيق بجملة من الواجبات طوال السنة سيرا في خط صنعته يد التطور المفاجئ حيث نال رمضان الكريم وموسم الحج على نصيب كبير من السنة ينشغل بها الإعلام وتهتم به منابر الثقافة  لأنها مواسم دينية هامة والسعودية مقصد المسلمين فيها.

من ذلك نتج أثر سلبي على الحراك المسرحي بشكل عام حيث كان عاملا الاستقرار والانشغال مع سرعة النهوض الاجتماعي كافية لنيل الاهتمام التام ولذلك لم يشعر الشعب بحاجته للمسرح وكان للشعر والقصة والرواية حضور (مترف) على استحياء برغم توفرها في التعليم العام والجامعي ووجودها بقوة في موروثنا العربي والسعودي, برغم بروز الكثير من المعارك الأدبية الطاحنة في المنتديات الثقافية والجامعات ووسائل الإعلام ,والحقيقة أن هناك عوامل أخرى أدت لتوتر مسيرة المسرح في الجزيرة العربية عموما وفي السعودية على وجه الخصوص منها النظرة القاصرة للفنان وقلة الدعم وعدم وجود أكاديمية مسرحية تقدم المسرح بشكله الصحيح بعيدا عن استغلال المدَّعين له والذي أعطى المبرر المنطقي لمحاربة ظهورهبرغم تلك المحاولات التي كانت موجودة إبان الحكم العثماني (قبل الحكم السعودي) حيث أقيمت على الحجاز مسرحية في المدينة المنورة عام 1910م، ونقلا عن الباحث الفذ أ.د/ سيد علي عميد كلية الآداب بجامعة حلوان ، الذي أكد في دراسة نشرها في مجلة (كواليس) الإماراتية – عدد 39 في فبراير 2015م اكتشافا مهما للغاية حيثوصل بعد عناء البحث المضني إلى نسخة على (ميكروفلم)لجريدة (المؤيد)عدد 19 مايو 1910، ليتضح له بعد ذلك أن مسرحية(فتاة الدستور ذات خمسة فصول) ، هي المسرحية التي عُرضت في المدينة المنورة، وهي تمثل حال الدولة على عهد الاستبداد ، ثم كيف أعلن الدستور في السلطنة العثمانية .

 

ولا يعني عدم الشعور بالحاجة للمسرحأن ننكر تجارب رائدة لإقامة عروض مسرحية وتفعيل لحراك مسرحي مواكبة للسرعة الانتقالية التي يعيشها المجتمع, يذكر  لنا الأستاذ علي السعيد المشرف العام على مبادرة أرشيف المسرح السعودي في كتابه الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون وأربعون عاما من المسرح 1393هـ-1433هـتفصيلا عنها، ومنهاتقديم مسرحية بعنوان (حوار بين جاهل و متعلم) عام 1348 هـ 1928 م، في المدرسةالأهليةبعنيزة وهي عن مناظرة في فضل العلم على الجهل لع أدوارها إبراهيم الواصل في دور المتعلم وإبراهيم الصويان في دور الجاهل ، و يعد حضور الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه اللهلحفل المدرسة ذاتها عام 1355هـ 1935م، فرصة لمشاهدة عدة تمثيليات مسرحية مثل (كسرى والوفد العربي) و (الأعمى) و (الشاهي والدارسين), وتزامن معها حفل لمدرسة الفلاح بجدة بمناسبة مرور ربع قرن على تأسيسها و بعد ذلك مدرسة جيزان عام 1365هـ وتزامن معها حفل مدرسة النجاح الليللة بجدة على شرف قائم مقام عبدالرحمن السديري ، و الأديب حسين سراج كتب نص (الظالم لنفسه) عام 1952م.

و ظهرت محاولات الأستاذ صالح بن صالح في القصيم بتفعيل مسرح التعليم 1959م ,  وتتوالى المحاولات الفردية “بمغامرة” الشيخ أحمد السباعي 1961م لإنشائه مدرسة قريش للتمثيل الإسلامي بمكة المكرمة والتي أجهضت في ظروف غامضة تأجيلا للمشروع رغم وجود تصريح له , وحفلات مدرسية متفرقة  في مدن المملكة كانت بالنسبة للمجتمعات الضيقة التي حولها لهو ومحض ترف لأنها اجتهادات لم تبن على أسس صحيحة وثقافة ملمة بالمسرح وحتى القضايا التي تطرح كانت إما قصص تقليدية أو مواقف أسرية أو توعويّة إرشادية وغالبا ما تتحدث عن القضية الفلسطينية التي تبنتها الحكومة منذ بداية تأسيس المملكة.

سنوات تتوالى حتى ظهر تكوين رسمي اسمه الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون1973م تحت مظلة الرئاسة العامة لرعاية الشباب (أنذاك) والتي بدأت بتقديم أعمال مسرحية مثل (طبيب بالمشعاب)التي أخرجها إبراهيم الحمدان وأعد نصها وشاركه في ذلك فريق العمل كما يذكر لي الأستاذ أحمد الهذيل إقتباسا عن النص العالمي (طبيب رغم أنفه) لموليير , والتي تشير بعض الكتب والمؤرخين إلى أنها تعد أول مسرحية جماهيرية بالمملكة ونشط بعد ذلك المسرح بالأندية الرياضية والجامعات والمدارس وأصبح نوعا ما مدرجا ضمن فقرات المهرجانات والاحتفالات السنوية ولا ننسى أن نذكر فتح شعبة الفنون المسرحية بجامعة الملك سعود بالرياض وإعادة إغلاقها عام1990م مما سبب إحباطا آخر للمسرحيين المتطلعين لحركة مسرحية ناهضة.

و في مواكبة للصحوة التي كانت ناشطة منذ 1969م وبعد حادثة جهيمان الذي حاول الاستيلاء على الحرم المكي الشريف 1979م  وتوالي الحروب (أزمة الخليج1991م, البوسنة والهرسك 1992م-1995م, الشيشان1994م والاحتلال الصهيوني لفلسطين ولبنان (القديم الجديد) زادت حركة الأسر في المملكة بالهجرة بكثرة إلى المدينة بحثا عن العمل والرزق وهذا التغير المفاجئ ولَّد الكثير من الآراء والخلافات في امتزاج القبائل والأسر وباختلاف عاداتهم وتقاليدهم مما جعل الحياة بحاجة إلى مساحات أكبر للحوار والتداول والتي كانت خصبة لنشؤ مسرح ولكن لم يجد المسرح حظه مع غزو المنازل المحافظة بالقنواتالفضائية1991م  وثورة الإنترنت ومنتدياته 1998م التي عززت بُعد المجتمع عن تبادل الثقافة والمعرفة بتخطيط مقنن وظل التعاطي من خلال تجارب ذاتية , وأصبح المسرحيون يمتطون المسرح كوسيلة لبلوغ عنان الفضائيات بعد أن ملوا غايتهم في تفعيله ولو استمروا في العطاء المسرحي لأوجدوا نهضة مسرحية مبكرة وهذا العزوف جعل الجيل المسرحي الصاعد في نهاية التسعينات وبداية الألفية الثالثة بلا أساتذة، جيل فقد الأكاديمية والخبرة ولازال يسير في تجاربه على مايرتشفهارتشافا من وسائل الإعلام والكتب المتفرقة , ولا نغفل ركوب المسرح الجامعي والجمعيات على موجة المسرح التجريبي والغرائبي منذ 2000م التي من المفترض أن تأتي كمرحلة تالية للمسرح الاجتماعي, وأصبح علينا ألا ننتظر الجهات الرسمية أن تنتج فقط.

لذلك لا نستطيع تحديد المسرحية السعودية بشمولية في تجارب متفرقة ومتباعدة ولا يعني هذا إنكار وجود الدراما السعودية (بشكل عام) حيث برزت في الإذاعة والتلفزيون بشكل منافس عربيا. وفي ظل توتر الفعل المسرحي نشأت مجموعة من الفرق الخاصة التي قدَّم أغلبها الكوميديا (مسلوقة) وفوضوية لأن الفنان بها متحذلق يستجدي الضحكات بمحاولات مبتذلة واجهت نقد المجتمع الذي لازال في داخله متمسكا بمبادئ دينية أخلاقية ووطنية لذلك كانت نشأت مثل هذه الفرق عاملا آخر لتكوين صورة مشوهة للمسرح كجنس فني تكونت في  الذهنية بأنه إما نخبوي غامض أو تهريج ساذج.

لقد كان للمنطقة الغربية وتحديدا مكة المكرمة وجدة سبق تأريخي على مستوى مسرح الهواة، حيث أسس في عام 1381هـ 1961م أول مسرح خاص في مكة المكرمة على يد شيخ الصحافة السعودية الأستاذ أحمد السباعي رحمه الله وناله ما ناله حتى أجهض وبقي مشروعا مرسوما في أحلام من شاركوا في تفعيله من الإعلاميين والأدباء والموهوبين، وكان السبق للأستاذ عمر الجاسر الذي أسس مع مجموعة من الفنانين أول فرقة برخصة رسمية باسم ( فرقة فنون جدة )عام 1406هـ 1986م ، وبعد ذلك أوجد الجاسر مقرا لها في أحد المنتزهات المتاخمة للبحر في مدينة جدة و أطلق عليه(مسرح عمر الجاسر).

وعلى سبيل الريادة فإن ورشة العمل المسرحي بالطائف التي تأسس منذ 1413هـ تحت مظلة جمعية الثقافة والفنون من أولى الفرق التي أسست عملها كنموذج مهني اعتمد على طريق الورشة في صناعة العمل المسرحي ومن الأسماء التي أسستها محمد بكَّر وأحمد الأحمري وعبدالعزيز عسيري وفهد الحارثي وسامي الزهراني ومساعد الزهراني..

والمسرح التجاري هو عصب الحركة المسرحية ومعيار يحدد تقدم الفكر وتأخره، وحتى لا يكون العمل في المسرح فوضى وحتى لا يتم تسطيح المسرح سعت كثير من الحكومات والمؤسسات الثقافية لاحتضانه وتقديم العون له ليكون نسقاً منسجماً ضمن التوجه العام للسياسة الثقافية في البلاد. ومع أن المسرح التجاري انحدر كثيراً وتراخى القائمون عليه في بعض البلدان إلا أنه يظل في كثيرا منها مسرحاً عميقاً وهذا يعود لحسن التخطيط إذا ما قارنا بين بعض البلدان.

ويتطلع دوماً العاملون في الجانب الأهلي إلى الارتقاء بالتعلم ويهتم معظمهم بالورش الفنية والدورات العلمية التطبيقية في فنون المسرح وهذا نفتقده كثيراً في مسرحنا في جدة.  وللتعليم دور مهم في بناء الإنتاج المسرحي وصناعة رجاله وكان لجدة الحظ في تقديم أسماء جيدة على مستوى التعليم العام وعلى مستوى التعليم العالي مما وضعها في مقدمة الحاصلين على الجوائز محلياً ودولياً. ولكن نتطلع إلى توسيع دائرة التأثير لنستثمر هذه الجهود الكبيرة في صناعة جمهور حقيقي وليأخذ المسرح دوره في تكوين الذائقة ومناقشة قضايانا بشكل يضمن تحقيق الشفافية والحوار والإبداع في آن معاً.  وللطفل حق وعلينا جمعياً واجب ونتطلع إلى دعم العمل التربوي والتثقيفي خصوصاً وأن المسرح خير فن يعين على التربية والتعليم.

إن تطلعات المسرحيين ليست أحلاما مستحيلة في ظل وجود مسئول واع لان الثقافة التي يدير من خلالها المسئول عمله هي الدافع الأول لتبني الإنتاج الفني سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي والسياحي أو على المستوى التعليمي فقد أثبت المسرح في كل هذه الاتجاهات وغيرها أثره وأهميته وضرورته ولأنه كائن موجود لا محالة في المجتمعات كان لزاما تقنينه وتمكين المتخصصين فيه بالعمل على تحريك دفته نحو الأمام وإلا فإن المرتزقة والأفاقون سيديرونه نحو اتجاهاتهم ورغباتهم التي قد تعارض مصلحة الوطن والمواطن ويكون المسرح عنصر هدم بدلا من ان يستغل ويستفاد منه للبناء.

أعزائي المسرحيين والمثقفين والأدباء ..

إن الإعلام له دور بارز وكبير في دعم المسرح فهو جزء منه ومن المؤسف أن نرى مسرحيات هابطة على قنواتنا وصحفنا ومسرحنا الطليعي لا تلتفت إليه الكاميرا والمحرربالصحف و بالقنوات الوطنية، وتعتبر صفحات الثقافة والمسرح خصوصا من آخر الأولويات لدى الصحف فهي مرتع الإعلانات والأخبار الاجتماعية وإن لم تكن نجما أكلتك النجوم.

التطلع دوما ينبت في تربة الأسف ولكنه بصيص أمل لان المسئول الواعي هو المنقذ لهذه التقلصات التي تصيب مسرحنا الذي يتوقف ويعود خجولا بعدما كان له السبق في الجذب الجماهيري، أتمنىأن تفتح القاعات التي أغلقت و اهترئت وهي مهجورة فلا الشخصيات استعادت الحياة بها ولا الجمهور ردد الصفقات والضحكات وعانق مبدعيه فيها، وأنا لا أسأل لماذا تغلق بل أقول .. لماذا لا تفتح؟

إن العمل المسرحي إنتاج وصناعة صعبة ومرهقة في حد ذاته، وبرغم ذلك تجد الفرق ومؤسسات الإنتاج الفني جملة من العوائق التى تضعها في مهمة أكثر تعقيداً.  وعلى رأس هذه المعوقات نجد الدعم المالي الذي تجاوزته أوساط الصناعة المسرحية في البلدان المجاورة برغم فقرها اقتصاديا حيث أن تقديم الدعم أصبح من مؤسسات الثقافة والفنون والآداب للمؤسسات والفرق مما أسهم في خلق حراك يحرص على النوعية وتكافؤ الفرص. وعلى الرغم من وجود 37 قاعة مسرحية ومنبرية في مدينة جدة إلا أن الحصول على معظمها يعد مستحيلاً وذلك يعود لسياسة الجهات التى تمتلكها في وقت أضحى المجتمع فيه بحاجة ماسة لإنتاج مسرحي يلتقي به مع قضاياه وهمومه.  ولو حاولت فرقة ما عمل مسرح الشارع على سيبل المثال في تجاوز لهذه العقبة لاصطدمت بالإجراءات الرسمية الطويلة والمعقدة والتى تحمل قرارات لا تضع اعتباراً بمستوى يستحقه المسرح.

دائماً مايكون للمبادرات أثر كبير في تجاوز الحدود الضيقة وقيادة المجتمعات إلى آفاق تغير وجه التاريخ وبالنظر لتاريخ المسرح نجد أن خطوته الجادة الأولى جاءت بمبادرة سواء حكومية كما في الكويت عندما أسست حكومة الكويت معهد الفنون وجلبت المسرحي زكي طليمات وكانت ركيزة المسرح الكويتي حتى اليوم.وأيضا يقوم الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة بمبادرات على المستوى العربي في تنشيط الحراك عبر تأسيسه الهيئة العربية للمسرح وبذل الجوائز والمحفزات للإنتاج العربي المتميز. وفي السعودية برزت المبادرات الخاصة فقد حاول الشيخ السباعي تأسيس مدرسة للمسرح الإسلامي وأجهضت ونال الأستاذ عمر جاسر السبق في تأسيس أول فرقة مسرحية أهلية رسمية وتولت المحاولات ومنها مانجح كورشة العمل المسرحي بالطائف ومنها ما انتهى على زوال كما هو حال قسم المسرح بكلية الملك سعود الذي لم يستمر عام واحدا لذلك يظل الدعم الرسمي من المسئول أو الجهات مهم لتلاقي المبادرة حقها وتأخذ الفرصة في التأثير لتنشيط الحراك وتحقيق أهدافها الفنية والحضارية.

إن الحلم المسرحي، ليس ضربا من المستحيل، لكنه بحاجة إلى ثمن يدفعه الجادون الصادقون بعيدا عمن حول المسرح إلى وظيفة وسلعة أو “دكانا” يقتات منه فقط، متى أردنا أن نقف على رأس الريادة المسرحية لتشع إضاءة بداية مسرحية النهضة المسرحية الجديدة وتعم الوطن بدعم يرتكز بلاشك على عقل صانعي القرار ومدى استيعابه لضرورة رسم إستراتيجية تضع المسرح في أجندة التنمية الوطنية الشاملة.

لذلك كله لم تقف الفرق الجادة عند هذه النماذج بل نشأت فرق تهتم بتحسين الصورة الذهنية لدى المتلقين ولازالت تسعى لصناعة جمهور ذواق تتشارك معه في الأفكار والمقترحات وتوجه له بعض البروتوكولات المتبعة وتختار نصوصها وخشبات عرضها بعناية لتقديم مسرحها بشكل أكثر رقيا من خلال إسقاطات ساخرة تمتزج بالسياسة والفكر والسلبيات الاجتماعية مع مراعاة الأعمار المتفاوتة للجمهور وأجناسه المختلفة وتنوع لهجاته, وجاءت(فرقة كيف للفنون المسرحية) التي أسستُها في يوم الاثنين 4 يوليو 2006م بشكل مختلف حيث لازلنا نوزع استبانات للجمهور ونبني معهم علاقة المصنِّع بعملائه وقد حازت الفرقة على إعجاب العديد من المسئولين والمثقفين وهي الفرقة الوحيدة التي تستند على لائحة سياسة تنظيمية  وتعمل تحت شعار, نحو مسرح سعودي (كيف)خدمة للمجتمع كرد عملي على الكم الهائل من المسرحيات الغير هادفة وفاقدة الهوية.

بعد ذلك بدأت تتغير فكرة أن المسرح ذريعة للملاهي الليلية ولكن ظلت المشكلة في عزوف الفنانين عن المسرح والتي أذنت للمنتجين الماديين القيام بسد النقص من خلال استيراد المسرحيين من دول مجاورة ولكنها لم تفلح حيث لم تتقبلها العائلة السعودية كجمهور له العديد من التحفظات والثقافة التربوية, وبتعقيدالإجراءات الرسمية من الجهات المختصة للعروض التجارية المستوردة أخذ الشباب في المسرح  السعودي فرصته للظهور على الخشبة والذي نال النجاح من خلال جملة من المهرجانات المحلية والدولية.

إن المسرحية السعودية لم يتم تحديدها حتى اليوم بشكل قاطع في منهجية واضحة ومعينة ولكن من خلال تواجدي المتواضع في بعض المهرجانات والعروض المسرحية المتفرقة وبحثي وقراءتي المتكرران أجدها أصبحت ضرورة بمعظم أشكالها بعدما كانت ترفا بل وتتجه الأعمال اليوم إلى الكوميديا السوداء والرمزية مع اتساع هامش الحرية برغم احتفاظ المجتمع بخصوصيته الدينية والوطنية والاجتماعية ولم تقتصر الكوميديا على إفيهات يطلقها الفنان بل كانت تتنوع بين المباشرة نحو المسؤولين مدراء وجهات وحتى الوزراء والرمزية التي تتحرش بالسياسة بحذر من خلال إيماءات تفسر معنى آخر غير الفكرة السطحية للكلام.

هذا بخلاف الإبداع في التقليد والابتكار لأن المجتمع في السعودية لازال يحوي نماذج لم تطرق بعد ومواقف لم تسجل وكمية هائلة من القضايا لم تستهلك فضلا عن الموروث الهائل الذي لم ينهل منه الفنان في السعودية سوى القليل , لذلك يمر المسرح اليوم بمرحلة النشأة الشرعية من خلال جمعية المسرحييين السعوديين 2008م والتي تسعى إلى تدعيم النهضة المعرفية مواكبة للنهضة الحضارية السعودية بتواجد مجموعة من الأعمال في المهرجانات وإرسال الشباب الموهوب في بعثات فنية لدعم الحركة بمن لديهم التجربة والعلم لتكوين جيل أساتذة لمسرحيي الغد.

لقد كشفت المسرحية في السعودية الحقيقة التي يعيشها المواطن بين البيروقراطية والروتين والسلوكيات الخاطئة وأوصلت صوته المطالب بالتحسين والتطوير لإيجاد كافة أساليب الحوار الوطني بدلا من النقاش في دوائر ضيقة غير مجدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *