تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ياسر مدخلي

مسرح كيف: نظرية ومنهج التجربة المسرحية

ورقة عمل قدمتها لمكتبة تعاونية مسرح كيف بمناسبة مرور 20 عام على تأسيس مسرح كيف يوليو 2026

الملخص

تقدم هذه المقالة صياغة نظرية ومنهجية لمشروع «مسرح كيف» الذي بدأ عام 2006، وتطور من خلال تسع تجارب مسرحية مترابطة وثقها كتاب «مسرح كيف: صناعة التجربة المسرحية». تنطلق النظرية من أن العرض لا يكتمل بعناصره الفنية وحدها، بل يتكون بوصفه تجربة حية داخل مجال مشترك بين صناع العرض والجمهور. وتفصل المقالة بين «نظرية مسرح كيف» التي تفسر هذه العلاقة، و«منهج التجربة المسرحية» الذي يحولها إلى دورة عمل تبدأ بالتشخيص والسؤال والفرضية، ثم تصميم الآلية واختيار المكونات والرصد والتنفيذ والتحليل، وتنتهي بقرار ينتقل إلى تجربة لاحقة. كما تحدد المقالة مفاهيم المشروع وقضاياه القابلة للاختبار، ومؤشرات القيمة الفنية والنفاذ الجماهيري والتعلم، وتعرض تطبيقاته في مسرحيات «خطيرين»، و«عزف اليمام»، و«أشباح»، و«مجانين»، و«ظلاً»، و«البرمائي»، و«علاجك أمل»، و«تصريح دفن»، و«عميان». وتضع المشروع في حوار نقدي مع عدد من التصورات العالمية والعربية التي جعلت الجمهور محورًا في التفكير المسرحي، مع بيان أصالته الإجرائية والسياقية وحدوده البحثية.

مقدمة

لا يكتمل العرض المسرحي عندما تنطفئ أنوار الصالة وتبدأ الخشبة في الكلام؛ بل يبدأ اكتماله حين يدخل الجمهور في العلاقة، ويصبح حضوره جزءًا من الإيقاع والمعنى والأثر. ومن هذه الفكرة نشأ «مسرح كيف»: مشروع فني بدأ عام 2006، ثم تحول عبر عروض متتابعة وملاحظات واستبانات ونقاشات إلى تصور نظري ومنهج عملي لتصميم التجربة المسرحية.

لم يكن المقصود ابتكار وصفة ثابتة للنجاح، ولا تأسيس شكل إخراجي ينبغي للجميع تقليده، وإنما بناء طريقة تجعل الفنان أكثر وعيًا بما يصنع، وبما يحدث فعلًا بين العرض والمتلقي، وبما يمكن أن يتعلمه من كل ليلة مسرحية. ولهذا يحمل اسم «كيف» سؤال المشروع في داخله؛ فهو يقدم سؤال الطريقة على الاستسلام للعادات الجاهزة، ويقدم الكيف على الكم، من غير أن يطرد المتعة والمزاج والدهشة من الفن الجاد.

بدأ المشروع من مفارقة شاهدتها في الممارسة. فقد ابتعد جانب من المسرح الذي يوصف بالتجريبي أو الرمزي أو الفلسفي أو النخبوي عن جمهوره، حتى غدا الغموض، في بعض الممارسات، قرينة على الجودة. وفي المقابل، اندفع جانب من المسرح التجاري إلى الاستجابة السريعة، فاختزل الفن أحيانًا في الضحك أو التصفيق، ولو على حساب العمق والتماسك. وبين الطرفين تراجعت إمكانية بناء عرض يحقق قيمة فنية حقيقية، ويتقن في الوقت نفسه مد جسر حي مع الناس.

وكانت هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية: كل تمرين وكل عرض ينتجان معرفة. لماذا انخفض الإيقاع هنا؟ لماذا بقي مشهد في الذاكرة؟ لماذا فهم جمهور رمزًا لم يفهمه جمهور آخر؟ ولماذا أحدث العنصر نفسه أثرًا مختلفًا عند انتقال العرض من مدينة إلى أخرى؟ غالبًا ما تنتهي هذه المعرفة بانتهاء الليلة، أو تبقى انطباعًا شخصيًا في ذاكرة المخرج والممثل. وحين يبدأ العمل التالي، يبدأ الفريق من الصفر تقريبًا. لذلك أصبح سؤال المشروع مزدوجًا: كيف نصل إلى الجمهور من غير ابتذال؟ وكيف نحفظ المعرفة التي تنتجها الممارسة كي تتراكم؟

تجيب هذه المقالة عن السؤال من خلال الفصل بين مستويين متكاملين: النظرية التي تفسر طبيعة التجربة المسرحية والعلاقة بين أطرافها، والمنهج الذي يحول هذا التفسير إلى إجراءات يمكن تنفيذها ورصدها ونقدها وتطويرها.

من الممارسة إلى بناء النظرية

حين بدأت العمل على «مسرح كيف» في الثالثة والعشرين من عمري، لم أبدأ ببيان نظري مكتمل، بل بعروض وأسئلة. نشأت المفاهيم من تراكم تجارب بدأتها «خطيرين» عام 2006، وشملت لاحقًا «عزف اليمام»، و«أشباح»، و«مجانين»، و«ظلاً»، و«البرمائي»، و«علاجك أمل»، و«تصريح دفن»، و«عميان». اختبرت كل تجربة عنصرًا أو علاقة، وسجلت ما أمكن من استجابات الجمهور، ثم انتقلت الأسئلة والنتائج بين الأعمال لتصنع مسار المشروع.

هذا الأصل التطبيقي مهم؛ لأن النظرية المسرحية لا تكتسب قيمتها من كثرة مصطلحاتها، بل من قدرتها على تفسير الممارسة وتوجيهها وقبول المراجعة. ومن هنا لا أقدم «مسرح كيف» وصفة ملزمة، بل منهجًا نشأ من تجربتي، ويمكن لفنانين وفرق أخرى اختباره ونقده وتطويره في سياقاتهم.

طبيعة المقالة ومقاربتها

تعتمد هذه المقالة مقاربة نوعية قائمة على الممارسة والتأمل النقدي في تسع حالات مسرحية مترابطة. وتستند مادتها إلى خطط العروض وتقاريرها، والملاحظة المباشرة، وتصوير الجمهور حين توافر، والاستبانات، والنقاشات التي أعقبت بعض العروض، والتقويمات الفنية المصاحبة لها.

ولا تقدم هذه الحالات تجارب مخبرية تعزل جميع العوامل أو تسمح بالتعميم الإحصائي. لذلك تُقرأ نتائجها بوصفها مؤشرات تفسيرية مرتبطة بسياقاتها، لا براهين سببية نهائية. وتتمثل قيمتها في توليد مفاهيم وفرضيات وقرارات فنية قابلة للاختبار في عروض لاحقة، وفي توفير سجل تاريخي يوضح كيف تكوّن المنهج عبر الممارسة.

أولًا: نظرية مسرح كيف

تعريف النظرية

مسرح كيف نظرية تطبيقية في تصميم العلاقة الحية بين العرض والجمهور. ويمكن وصفها بأنها نظرية متوسطة المدى؛ فهي أوسع من تفسير عرض واحد، وأضيق من ادعاء قانون عام يحكم المسرح في كل زمان ومكان. وتنص في صيغتها المركزية على أن:

العرض المسرحي لا يكتمل بعناصره الفنية وحدها، بل يتشكل بوصفه تجربة حية داخل مجال مشترك بين صناع العرض والجمهور. وكلما ارتبطت عناصره بسؤال واضح، وصُممت العلاقة مع الجمهور بوعي، ورُصدت الاستجابات وقورنت بتقويم فني مستقل، أمكن إنتاج تجربة تجمع القيمة الفنية والنفاذ الجماهيري، وتحويل كل عرض إلى معرفة تفيد العرض اللاحق.

النظرية، بهذا المعنى، تفسر كيفية تكون التجربة وما الذي ينبغي ملاحظته فيها. أما منهج التجربة المسرحية فيحوّل هذا التفسير إلى دورة عمل تبدأ بالسؤال، وتمر بالتصميم والرصد والتحليل، وتنتهي بقرار جديد. النظرية تجيب عن سؤال «ماذا يحدث ولماذا؟»، والمنهج يجيب عن سؤال «كيف نختبر ذلك ونتعلم منه؟».

موضوع النظرية ووحدة التحليل

ليست وحدة التحليل في مسرح كيف هي النص وحده، ولا الممثل وحده، ولا الخشبة بوصفها صورة مكتملة، ولا الجمهور باعتباره مجموعة مستقلة عن العرض؛ بل التجربة المسرحية: الواقعة التي تتكون لحظة بلحظة من تفاعل الفعل المسرحي مع استجابة الجمهور داخل زمان ومكان وسياق محدد.

ومن ثم يصبح الضحك والصمت والتوتر والانتباه والتشتت والتدخل والرفض والانسحاب الذهني معلومات تساعد على فهم العلاقة. غير أن النظرية لا تجعل الجمهور حكمًا مطلقًا؛ فقد يعجب المتلقي بعمل ضعيف، وقد يرفض عملًا قويًا لأسباب لا تتعلق بقيمته الفنية. المطلوب هو فهم الاستجابة وموقعها من سؤال العرض، ثم موازنتها بتقويم فني مستقل ومسؤول.

السؤال المركزي

يمكن صياغة السؤال المركزي للنظرية على النحو الآتي:

كيف نصمم تجربة مسرحية تحقق قيمة فنية حقيقية، وتبني في الوقت نفسه علاقة فاعلة مع الجمهور، ثم نحول نتائجها إلى معرفة تساعدنا على تطوير العرض التالي؟

ويتفرع منه عدد من الأسئلة: ما وظيفة كل عنصر في العرض؟ ما الأثر المتوقع من تغييره؟ ما الذي يعد استجابة ذات دلالة؟ كيف نميز بين أثر النص وأثر الأداء وأثر المكان؟ ومتى تصبح النتيجة السلبية أكثر فائدة من التصفيق؟

المرتكزات الأساسية

تقوم النظرية على أربعة مرتكزات مترابطة:

  1. التجربة الحية هي موضوع التحليل: لا يكفي تحليل النص أو الصورة بمعزل عن لحظة التلقي.
  2. الجمهور طرف في الواقعة: يشارك بحضوره واستجابته حتى حين لا يتكلم أو يتحرك.
  3. عناصر العرض تؤدي وظائف محددة: النص والممثل والفضاء والإيقاع والتقنية ليست إضافات منفصلة، بل قرارات مرتبطة بسؤال التجربة.
  4. الرصد وسيلة لرفع وعي الفنان: لا يحل محل الحس الفني، لكنه يمنع الذاكرة الانتقائية والانطباع المتأخر من احتكار تفسير ما حدث.

المفاهيم المؤسسة

التجربة المسرحية: مجموع ما يحدث بين الفعل المسرحي واستجابة الجمهور، لا ما يقع فوق الخشبة وحدها.

منطقة التجربة: المجال الحسي والإدراكي والانفعالي المشترك بين الخشبة والصالة. وقد تكون المنطقتان متجاورتين، أو تتداخلان حين يتحرك الممثل بين المقاعد أو يتدخل الجمهور. وهي ليست مكانًا هندسيًا فقط، بل شبكة اتصال تتغير مع الزمن والإيقاع والانتباه.

سؤال التجربة: سؤال محدد يربط القرار الفني بأثر متوقع. فبدل القول «نريد عرضًا مدهشًا»، نسأل: هل يعيد هذا التحول في الإيقاع انتباه الجمهور؟ وهل يوسع الرمز فهم الفكرة أم يبددها؟

المخرج الباحث: مخرج يحافظ على حسه الفني، لكنه يصوغ سؤاله قبل العرض، ويحدد ما الذي سيغيره، ويوثق ما حدث، ويفحص التفسيرات المنافسة، ثم يطور قراره. ويستعين براصد مستقل أو تقويم خارجي كلما أمكن للحد من انحياز صاحب التجربة.

الممثل المتحكم: ممثل يؤدي الشخصية بصدق، ويحتفظ في الوقت نفسه بجزء من وعيه متصلًا بالصالة وبإيقاع شركائه. والتحكم هنا تحكم في الأدوات والقرار، لا في الجمهور؛ فهو يسمح بتعديل النبرة والسرعة والطاقة ضمن حدود متفق عليها، من غير هدم الشخصية أو مسار العرض.

النص المرن: نص يحافظ على نواته ومقولته، ويتيح تغيير وسائل تجسيده بحسب السؤال والسياق. والمرونة ليست ذريعة لتفكيك المعنى، كما أن الارتجال ليس خروجًا عشوائيًا، بل قرار منضبط يحترم الحبكة والجمهور والفريق.

الفقر الغني: اقتصاد وظيفي لا يقيس قوة العرض بعدد التقنيات والقطع، بل بضرورة كل عنصر وقيمته الدلالية والحسية. وقد يكون العرض غنيًا بالضوء والصوت والصورة متى كانت لها وظائف لا يمكن حذفها، وقد يكون فقيرًا في المعنى رغم ازدحامه بالمؤثرات.

الدهشة الوظيفية: لحظة تكشف المعنى أو تعيد تنظيم العلاقة بين العناصر، وليست حيلة تقنية أو صدمة مجانية. ويستدل على أثرها بما تثيره من انتباه وفهم وتذكر ونقاش، لا بمجرد الانبهار الآني.

شراكة الجمهور: موقع متدرج يبدأ بالحضور والانتباه والتفسير، وقد يصل إلى الكلام أو الحركة أو الاختيار. المشاركة الظاهرة احتمال وليست شرطًا؛ لأن قرار المشاركة يظل حقًا حرًا للمتلقي.

القيمة المزدوجة: اجتماع القيمة الفنية والنفاذ الجماهيري. والمقصود بالنفاذ ليس عدد التذاكر أو التصفيق فقط، بل قدرة العرض على الوصول إلى انتباه الجمهور ووجدانه وفهمه وذاكرته من غير التضحية بسلامة البناء الفني.

المبادئ الحاكمة

تعمل المفاهيم السابقة داخل مبادئ فنية وأخلاقية تسبق الأدوات: صون كرامة الإنسان، وإنتاج المعرفة من التجربة، وربط المسرح بالمجتمع، والحفاظ على شباب الممارسة بمعنى الحيوية والتجدد، والالتزام بالمهنية. وتحدد هذه المبادئ الحدود التي لا يجوز للتجربة تجاوزها، بينما تصف المفاهيم والسمات الطريقة التي تظهر بها الرؤية في التدريب والعرض والتنظيم.

القضايا النظرية القابلة للاختبار

يمكن تنظيم البنية التفسيرية لمسرح كيف في سبع قضايا:

  1. تتغير استجابة الجمهور بتغير تصميم العلاقة والسياق، حتى عندما يبقى النص أو العرض قريبًا من صورته السابقة.
  2. كلما اتصلت مكونات العرض بسؤال محدد، أصبح تفسير أثرها أدق، وقل حضور العناصر الاعتباطية.
  3. لا يدل الحضور أو التصفيق منفردًا على جودة العرض أو عمق فهمه.
  4. المشاركة الحرة تكشف عن التلقي بصورة أصدق من المشاركة التي يفرضها العرض أو يستدرجها بالإحراج.
  5. ترتفع الثقة في الاستنتاج حين تتفق الملاحظة، ورواية الجمهور، والتقويم الفني المستقل.
  6. لا تثبت نتيجة واحدة الفرضية نهائيًا؛ فقد تدعمها أو تضعفها أو تدحضها في السياق الذي اختبرت فيه.
  7. تتحول الممارسة إلى معرفة متراكمة عندما تنتقل النتيجة إلى قرار محدد قابل للاختبار في تجربة لاحقة.

قابلية الاختبار والمراجعة

لا تُصان النظرية من النقد باسم خصوصية الفن. يمكن دعم قضاياها أو إضعافها من خلال تطبيقات مستقلة، ومقارنات بين عروض وسياقات مختلفة، وتكرار التدخلات مع ضبط ما يمكن ضبطه. وإذا أظهرت تطبيقات متكررة أن تصميم العلاقة لا يساعد على تفسير الاستجابة، أو أن مصادر التحقق المتعددة لا تقدم معرفة أدق من الانطباع الفردي، أو أن القرارات الناتجة لا تفيد التجارب اللاحقة، وجب تعديل القضايا أو تحديد شروط صلاحيتها. فالقابلية للمراجعة ليست تهديدًا للنظرية، بل شرط من شروط رسوخها.

المتغيرات والمؤشرات

لا يستخدم مسرح كيف مفهوم المتغير بمعناه المخبري الصارم، وإنما بوصفه أداة لتنظيم التفكير. ويمكن التمييز بين:

  • العنصر المتدخل فيه: الإيقاع، أو النص، أو الفضاء، أو ترتيب الجمهور، أو المشاركة، أو الصوت، أو الإضاءة، أو أسلوب الأداء.
  • الاستجابة المرصودة: الانتباه، والفهم، والتذكر، والانفعال، والمشاركة، والصمت، والرفض، والنقاش.
  • العوامل السياقية: طبيعة الجمهور، والمكان، وتوقيت العرض، والخبرة المسرحية، والبيئة الثقافية، والظروف التقنية.
  • العناصر التي تبقى ثابتة قدر الإمكان: ما لا يراد تغييره في المقارنة، مثل فريق الأداء أو بنية المشهد أو مدة الجزء المختبر.

ويقاس النجاح على ثلاثة مستويات متمايزة:

  • القيمة الفنية: تماسك البناء، وجودة الأداء، وضرورة العناصر، واتساق الصورة والإيقاع والدلالة، والتقويم الفني المستقل.
  • النفاذ الجماهيري: الانتباه، والفهم، والتأثر، والتذكر، والمشاركة، والنقاش، والاستعداد لمواصلة التجربة.
  • القيمة المعرفية: وضوح ما تعلمه الفريق، وقدرته على تحويل النتيجة إلى قرار جديد قابل للاختبار.

قد ينجح العرض جماهيريًا ولا يحقق قيمة فنية كافية، أو يحقق بناء فنيًا رفيعًا ولا يصل إلى جمهوره. وقد يفشل في طرفي القيمة المزدوجة، لكنه ينجح معرفيًا إذا وُثقت أسبابه وتحولت إلى قرار أكثر نضجًا. أما المنهج الذي يعلن النجاح في كل الحالات، فإنه يفقد قدرته على التمييز.

ثانيًا: منهج التجربة المسرحية

من التفسير إلى الإجراء

إذا كانت النظرية تشرح أن العرض يتكون داخل العلاقة بين الخشبة والصالة، فإن المنهج يحدد كيف يصمم الفريق هذه العلاقة ويقرأها. وقد اقترح الكتاب بنية بسيطة وحاسمة: خطة تكتب قبل التجربة، وتقرير يصاغ بعدها. وتمنع هذه المسافة الزمنية المخرج من تعديل توقعه بعد رؤية النتيجة، وتحول القرار من ذوق غير موثق إلى مسار يمكن للفريق مراجعته.

تتضمن الخطة القبلية المشكلة والسؤال والفرضية والفرضية المنافسة، والعنصر المراد تغييره، والعناصر التي ستبقى ثابتة، وأدوات الرصد، والمؤشرات، والحدود الأخلاقية. أما التقرير البعدي فيسجل ما نُفذ فعلًا، وما طرأ من انحرافات، وما ظهر من استجابات، والتفسيرات المحتملة، والتقويم الفني، والقرار المقترح للتجربة التالية.

خطوات المنهج

  1. التشخيص: تحديد مشكلة واحدة يراد فهمها في العرض أو التلقي، وبيان حدودها والسياق الذي ظهرت فيه.
  2. السؤال والفرضية: صياغة توقع يمكن دعمه أو إضعافه، وإضافة فرضية منافسة تمنع نسبة النتيجة تلقائيًا إلى العامل المفضل لدى المخرج.
  3. تصميم الآلية: تحديد العنصر الذي سيتغير، واللحظة التي يقع فيها التدخل، وما الذي سيبقى ثابتًا للمقارنة.
  4. اختيار المكونات: انتقاء النص والممثلين والفضاء والإيقاع والتقنية والجمهور وفق وظيفة كل مكون في السؤال.
  5. خطة الرصد: تحديد ما ستسجله الملاحظة أو الفيديو أو الاستبانة أو المقابلة، ومتى وكيف ومن سيتولى الرصد، قبل بدء العرض.
  6. التنفيذ: تسجيل ما إذا نُفذت الآلية كما خُطط لها، والظروف والانحرافات والأخطاء التي قد تؤثر في النتيجة.
  7. التحليل: مقارنة سلوك الجمهور أثناء العرض بروايته بعده، وإضافة التقويم الفني المستقل، ثم فحص التفسيرات البديلة.
  8. القرار والنقل: تحديد ما سيبقى وما سيتغير في النسخة التالية، وكتابة الإجراء بدرجة من الوضوح تسمح لفريق آخر بتجربته، من غير افتراض أنه سيحصل على النتيجة نفسها.

ويمكن تلخيص الدورة على النحو الآتي:

تشخيص ← سؤال وفرضية ← تصميم تدخل ← رصد التنفيذ والاستجابة ← تحليل متعدد المصادر ← قرار جديد ← تجربة لاحقة.

تكامل مصادر التحقق

أفضل نتائج المنهج لا تأتي من أداة واحدة. فقد يرتفع التصفيق مع ضعف الفهم، وقد يمدح الخبير التكوين بينما ينسحب الجمهور ذهنيًا، وقد يعلن المتلقي إعجابه بدافع المجاملة. لذلك يعتمد التحقق على ثلاثة مصادر:

  • السلوك المرصود أثناء العرض.
  • رواية الجمهور بعده.
  • التقويم الفني المستقل.

اتفاق هذه المصادر يرفع الثقة في الاستنتاج، وتعارضها ليس عيبًا ينبغي إخفاؤه، بل نتيجة تحتاج إلى تفسير. فإذا صفق الجمهور ولم يستطع تفسير الفكرة، فهذه معلومة. وإذا رفض الجمهور عرضًا أثنى عليه المختصون، فالسؤال يصبح: هل وقع الخلل في الاتصال، أم في توقعات الحضور، أم في معيار التقويم نفسه؟

النتيجة السلبية ووظيفة الإخفاق

الاستجابة السلبية ليست دائمًا إخفاقًا ينبغي ستره. فقد يكشف الصمت أن دعوة المشاركة لم تكن واضحة، وقد يدل الانسحاب على خلل في الإيقاع، وقد يظهر الرفض تعارضًا بين الوسيلة وقيم الجمهور أو توقعاته. لكن التصالح مع النتائج لا يعني إنكار الفشل؛ بل يقتضي التمييز بين نجاح العرض ونجاح التعلم. يمكن أن يفشل العرض فنيًا أو جماهيريًا، وأن تنجح التجربة في إنتاج معرفة تمنع تكرار الخطأ.

الضوابط الأخلاقية

يسبق احترام الإنسان جميع الأدوات. لذلك تلتزم التجربة بصون كرامة الممثل والجمهور، وحرية المشاركة أو الامتناع عنها، ومنع الإهانة والإحراج والإكراه، وحماية الخصوصية عند التصوير أو جمع الاستجابات. وإذا استخدم تدخل مفاجئ، فينبغي أن يكون ضمن موافقة مسبقة على مبدأ المفاجأة، وحدود أمان واضحة، وحق في الانسحاب، ومراجعة لاحقة مع المشاركين. فالجمهور شريك في المعرفة، وليس مادة خامًا لإثبات رأي المخرج.

ثالثًا: تطبيق النظرية والمنهج في تجارب مسرح كيف

تمثل التجارب التسع مدونة المشروع المرجعية. وهي ليست نسخًا متكررة من قالب واحد، بل مسارًا انتقل فيه السؤال من عنصر إلى آخر، ثم اجتمعت النتائج تدريجيًا في تصور أشمل.

التجربةمحور الاختباروظيفتها في بناء النظرية والمنهج
«خطيرين»تعدد القضايا والاقتصاد في العناصربداية السؤال عن الصلة بين التكثيف واهتمام الجمهور
«عزف اليمام»التكثيف اللغويصياغة سؤال وفرضية حول اللغة والتلقي
«أشباح»المسرح الأسوداختبار أثر التقنية البصرية في التفاعل طوال العرض
«مجانين»تعويم الزمان والمكان والشخصياتاختبار قدرة الجمهور على فهم التجريد وتأويله
«ظلاً»المقارنة بين عينتيناختبار صيغة أولية للمنهج وتعدد أدوات الرصد
«البرمائي»دور الجمهورتحويل المشاركة إلى آلية مصممة قابلة للرصد
«علاجك أمل»معايير الارتجالإنتاج ضوابط فنية وأخلاقية من التطبيق
«تصريح دفن»طاقة العرضربط اختيار المكونات بالأثر الشعوري المرصود
«عميان»الموازنة وتجميع النتائجاختبار انتقال النتائج وتكاملها في عرض واحد

1. «خطيرين»: التشخيص الأول للاقتصاد وتعدد القضايا

ناقشت «خطيرين» عددًا كبيرًا من القضايا الاجتماعية داخل حكاية واحدة، مع نص مكثف وديكور محدود. لم يكن تعدد القضايا غاية مستقلة، بل اختبارًا لقدرة العرض على المحافظة على اهتمام الجمهور من غير أن يتحول إلى خطب منفصلة. وأظهرت الملاحظات والاستبانات قبولًا للتنوع والرمزية، لكنها كشفت أيضًا أثر الخروج غير المنضبط عن النص، وأهمية المؤثر الصوتي بوصفه عنصرًا وظيفيًا لا حشوًا تقنيًا. ومن هذه التجربة ظهر سؤال سيلازم المشروع: كيف نحذف الزائد، ونحافظ في الوقت نفسه على تعدد الدلالة وحضور الجمهور؟ (مدخلي، 2020، ص 84–94).

2. «عزف اليمام»: من السؤال إلى الفرضية

اختبرت «عزف اليمام» التكثيف اللغوي في عرض سياسي ثنائي الأداء، قُدم أمام جمهور شبابي رياضي في بيت الشباب بجدة. وكان السؤال: هل يستطيع نص كثيف لغويًا ودلاليًا أن يحافظ على حضور جمهور غير متخصص، أم تصبح اللغة عائقًا أمام التلقي؟ افترضت التجربة أن حذف الزوائد، وتركيز الدلالة، وإعادة كتابة النص مرارًا سيجعل اللغة عنصر جذب. وسجلت الملاحظة بقاء الجمهور، كما ظهرت استجابات إيجابية تجاه الموسيقى وترابط العرض. لكن القراءة العلمية لا تنسب البقاء إلى التكثيف وحده؛ فقد يكون للأداء أو الموسيقى أو مدة العرض أثر مستقل. وهنا برزت ضرورة الفرضية المنافسة في منهج مسرح كيف (مدخلي، 2020، ص 95–101).

3. «أشباح»: التقنية بوصفها سؤالًا لا زينة

اعتمدت «أشباح» على المسرح الأسود والإضاءة فوق البنفسجية طوال العرض، بدل استخدامها افتتاحية استعراضية قصيرة. كان السؤال متعلقًا بجدوى استمرار التقنية، وقدرتها على خدمة الرسالة، واحتمال أن يضيق الجمهور بها. استخدمت الملاحظة وتصوير الجمهور، فكشفت النتائج إعجاب الحضور بالشكل وجرأتهم على مقاطعة الممثلين والتفاعل معهم أثناء استمرار الظلام. وأنتجت التجربة معرفة موازية تتعلق بتدريب الممثل على إدراك المكان والحركة الآمنة حين تضعف الرؤية. وبذلك لم تعد التقنية مؤثرًا بصريًا منفصلًا، بل علاقة بين الصورة والجسد والمكان والجمهور (مدخلي، 2020، ص 102–107).

4. «مجانين»: اختبار التجريد أمام الجمهور

اختبرت «مجانين» تعويم الزمان والمكان وأسماء الشخصيات، مع لغة بيضاء وفضاء شبه خال من الديكور. كان السؤال: هل يحتاج الجمهور إلى تحديد مباشر للزمان والمكان والشخصيات كي يفهم العرض، أم يستطيع إنتاج دلالته من العلاقات والرموز؟ أظهرت الاستبانات والملاحظة قدرة الجمهور على تقديم تأويلات منسجمة مع العرض، بل إن بعض المتلقين اعترض على الشخصية الأكثر تحديدًا ووضوحًا. ودعمت النتيجة فكرة أن التجريد لا يقود حتمًا إلى القطيعة، شريطة أن تتماسك علاماته ويجد الجمهور مسارًا يساعده على بناء المعنى (مدخلي، 2020، ص 108–114).

5. «ظلاً»: اختبار المنهج أمام عينتين

كانت «ظلاً» خطوة أكثر وضوحًا نحو صياغة منهج التجربة المسرحية. فقد قدمت مونودراما قصيرة باللغة العربية الفصحى، خالية من الكوميديا، تعتمد على خيال الظل، أمام عينتين مختلفتين: جمهور شبابي رياضي، وجمهور مسرحي متخصص. وحددت التجربة مسبقًا أدوات الرصد: الاستبانة، وملاحظة مستوى مغادرة الحضور، واتجاهات النقاش بعد العرض. سجلت الملاحظة هدوء الجمهور وبقاءه، ودخل الجمهور الرياضي في نقاش بعد العرض، بينما قدم الجمهور المسرحي تأويلات متعددة. وفي الندوة أعاد طفل تفسير العمل بصورة لم تكن ضمن تصور المؤلف والمخرج، فدل ذلك على أن فتح الدلالة لا يعني فقدان المعنى، وأن المتلقي قد ينتج معرفة لم يخطط لها صانع العرض (مدخلي، 2020، ص 115–122).

6. «البرمائي»: تصميم مشاركة الجمهور

ولدت «البرمائي» من مقارنة استجابات سابقة: تفاعل قوي مع «مجانين» في جدة، وصمت شديد في الطائف، وجرأة على التدخل في «أشباح» بمكة. تحولت الملاحظة إلى سؤال: هل يشارك الجمهور في إنقاذ إيقاع العرض إذا أتيحت له فرصة منظمة؟ صُممت المسرحية في صورة برنامج إذاعي، ووُضع مونولوج ذو إيقاع هابط مقصود في منتصفها، مع السماح للجمهور بالتدخل كما لو كان متصلًا بالبرنامج. وثق التصوير توقيت التدخلات، فبدأ التفاعل مع ظهور الترهل، وحاول بعض المتفرجين المشاركة أكثر من مرة، بينما استاء آخرون لعدم منحهم الفرصة. ولا تثبت النتيجة أن المشاركة وحدها أنقذت العرض؛ فقد يكون فعل التدخل جذابًا بذاته. لكنها قدمت نموذجًا واضحًا لتحويل سؤال فني إلى آلية قابلة للرصد (مدخلي، 2020، ص 123–128).

7. «علاجك أمل»: حين تنتج التجربة معيارًا

انطلقت «علاجك أمل» من سؤال: ما المعايير التي تساعد الممثل على الارتجال من غير أن يعرض الحبكة أو زملاءه أو الجمهور للضرر؟ قادت الملاحظة إلى ضوابط تمنع الارتجال المسيء أو المحرج، وتحذر من الأسئلة والأفعال التي تفرض ردودًا لم يستعد لها الممثل، وترفض الخروج عن سياق الحبكة أو استخدام الارتجال لتعويض ضعف الحفظ أو خطف الانتباه. واشتملت التجربة على دخول مفاجئ لممثلين، أحدهما من خارج الفريق، وهو ما يفرض في أي تطبيق لاحق بيانًا أكثر صرامة للحدود الأخلاقية والموافقة والحماية. هنا لم تكن النتيجة رقمًا، بل معيارًا مهنيًا ولد من التطبيق ويمكن اختباره في تدريب وعرض آخرين (مدخلي، 2020، ص 129–134).

8. «تصريح دفن»: اختيار المكونات وبناء الطاقة

اختبرت «تصريح دفن» ما سماه الكتاب «طاقة العرض» من خلال شحن الصوت والصورة والجسد والفضاء. اختير النص لانسجامه مع سؤال التجربة، واستمر تدريب الممثلين سبعين يومًا، ووُضعت بطاقات شبيهة ببطاقات الجثث على معاصم المتفرجين، ورتبت المقاعد في صفين يستدعيان هيئة سرادق العزاء. لم تكن هذه المكونات زينة؛ بل أدوات لإدخال الجمهور منذ البداية في المناخ الشعوري للعمل. وسجلت التجربة ردودًا صوتية وحركية متنوعة، ونقاشًا نقديًا ممتدًا، وانجذابًا وصل إلى منفذي الإضاءة والصوت. ويحتاج مفهوم الطاقة في التطبيقات الجديدة إلى مؤشرات أدق، مثل شدة الصوت، وسرعة الحركة، وكثافة الصورة، والتوتر العضلي، وتوقيت الاستجابة (مدخلي، 2020، ص 135–141).

9. «عميان»: التجربة التركيبية وانتقال النتائج

جمعت «عميان» نتائج عدد من التجارب السابقة في عرض واحد: تعويم الزمان والمكان والشخصيات كما في «مجانين»، والتكثيف اللغوي كما في «عزف اليمام»، وتعدد القضايا كما في «خطيرين»، واستخدام الظل واللون كما في «ظلاً» و«أشباح»، والاستفادة من تدريبات التجرد والارتجال. عُرض العمل في جدة وتونس ثم في جامعة الملك عبدالعزيز، وسجل قبولًا في بيئات مختلفة رغم استخدام اللهجة السعودية. بذلك أصبحت «عميان» أقرب تجربة تركيبية للمشروع، واختبارًا أوليًا لقدرة النتائج على الانتقال عبر الزمن والمكان. ومع ذلك تظل الحاجة قائمة إلى فصل أثر النص والأداء والسياق عن أثر المنهج بوصفه كلًا واحدًا (مدخلي، 2020، ص 142–144).

ما الذي تكشفه التجارب مجتمعة؟

تكشف الحالات التسع أن الجمهور ليس كتلة واحدة، وأن تقليل العناصر لا يخفض الجودة إذا بقيت وظائفها واضحة، وأن التجريد والرمز لا يمنعان الفهم تلقائيًا، وأن المشاركة تحتاج إلى تصميم وحدود، وأن التقنية لا تكتسب قيمتها من حداثتها بل من وظيفتها، وأن المعرفة تتراكم حين ينتقل السؤال من عرض إلى آخر لا حين يكرر الفريق الشكل نفسه.

وتمثل التجارب مجتمعة المدونة التاريخية المرجعية للمنهج؛ فلا توجد تجربة واحدة أسست المشروع وحدها. أما «عميان» فتمثل أقرب نموذج جمع عددًا من نتائجه داخل تكوين مسرحي واحد.

رابعًا: مسرح كيف في سياق الفكر المسرحي

الحوار مع النظريات العالمية

يلتقي مسرح كيف مع يرجي غروتوفسكي في مركزية الممثل وعلاقته المباشرة بالمتفرج، وفي مقاومة الزوائد التي يمكن الاستغناء عنها. لكنه لا يجعل التخلي عن الوسائط عقيدة شكلية؛ فالتقنية مقبولة متى كانت ضرورية للسؤال. ومن هنا يختلف «الفقر الغني» عن الفقر بوصفه تقليلًا ماديًا: السؤال ليس كم عنصرًا حذفنا، بل لماذا بقي كل عنصر وما الذي يؤديه (Grotowski, 1968).

ويدعو برتولت بريخت في «الأورجانون الصغير» إلى متفرج يلاحظ ويحكم، ويقاوم استسلامه الكامل للوهم عبر التغريب والبناء الملحمي. يستفيد مسرح كيف من هذا الوعي النقدي، لكنه لا يجعل المسافة عن التعاطف غاية ثابتة؛ فالممثل المتحكم يستطيع أن يصدق الشخصية ويراقب الإيقاع، والجمهور يستطيع أن ينفعل ويفكر في الوقت نفسه (Brecht, 1964, pp. 179–205).

وينقل أوغستو بوال المتفرج من المشاهدة إلى الفعل، ويمنح المشاركة وظيفة سياسية وتحررية واضحة. يلتقي مسرح كيف معه في كسر سلبية الجمهور، لكنه يجعل المشاركة احتمالًا وظيفيًا لا شرطًا؛ فقد تخدم غرضًا جماليًا أو إيقاعيًا أو معرفيًا أو اجتماعيًا، وقد يكون الصمت نفسه استجابة ذات دلالة (Boal, 1979).

أما إريكا فيشر-ليشته فتفسر الأداء بوصفه حدثًا يتكون من حلقة تغذية راجعة بين المؤدين والمتفرجين، بحيث يؤثر كل طرف في الآخر. يلتقي هذا التصور مع «منطقة التجربة»، بينما يضيف مسرح كيف مسارًا إجرائيًا يسبق العرض ويتلوه: سؤال مكتوب، وآلية، ورصد، وتحليل، وقرار ينتقل إلى تجربة أخرى (Fischer-Lichte, 2008).

مسرح كيف والسؤال العربي عن الجمهور

بحث توفيق الحكيم في «قالبنا المسرحي» عن صيغة عربية تستفيد من الحاكي والمقلداتي والمداح، وتردم المسافة بين النص والجمهور، من غير أن تنعزل عن التراث الإنساني للمسرح (الحكيم، 1967).

وطرح يوسف إدريس في مقالات «نحو مسرح مصري» سؤال العلاقة بين المسرح والناس، مستلهمًا السامر وقرب المؤدي من الجمهور والتكوين الدائري وإمكان تدخل المتفرج، ثم حاول تجسيد رؤيته في «الفرافير» (إدريس، 1964؛ 1974).

ونقل سعد الله ونوس النقاش من البحث عن القالب إلى وظيفة المسرح وعلاقته الاجتماعية والسياسية. ففي «بيانات لمسرح عربي جديد» أصبحت هوية الجمهور وظروفه وطريقة الاتصال به جزءًا من بناء العرض، وارتبط ذلك بمشروع مسرح التسييس والحوار (ونوس، 1970؛ 1988).

وفي المسرح الاحتفالي عند عبد الكريم برشيد، يتأسس العرض بوصفه لقاء إنسانيًا وجماعيًا في «هنا» و«الآن»، ويصبح الاحتفال فضاء للحوار والبحث والتجدد، لا استعادة شكل تراثي مغلق (برشيد، 1985).

يلتقي مسرح كيف مع هذه المشاريع في رفض القطيعة بين المسرح والناس، لكنه لا يبحث عن قالب عربي واحد، ولا يشترط العودة إلى شكل تراثي بعينه. إنه يقدم منهجًا يستطيع كل سياق عربي أن يصمم به علاقته الخاصة مع جمهوره، ويرصدها ويطورها. وبذلك ينتقل السؤال من «ما الشكل الذي يمثلنا؟» إلى «كيف نصمم تجربة تنتمي إلينا، وتتصل بجمهورها، وتنتج معرفة تساعدنا على بناء العرض التالي؟».

خامسًا: أصالة مسرح كيف وإضافته

لا تتطلب أصالة النظرية الادعاء بأن كل مفردة فيها ظهرت لأول مرة. النظريات المسرحية الكبرى نفسها نشأت بالحوار مع تاريخ طويل من العرض والتدريب والكتابة. وأصالة مسرح كيف تركيبية وإجرائية وسياقية:

  • تركيبية لأنها تجمع تصميم العرض، وعلاقة الجمهور، والتقويم الفني، والتعلم المتراكم في بنية واحدة.
  • إجرائية لأنها تحول الموقف الفكري من الجمهور إلى خطة قبلية وتقرير بعدي وخطوات قابلة للتطبيق والمراجعة.
  • سياقية لأنها نشأت من تجارب سعودية فعلية، ثم اختبرت بعض نتائجها أمام جماهير ومدن وبيئات مختلفة.

ويتحدد إسهامي في تأسيس المشروع منذ عام 2006، وصياغة مفهوم «منطقة التجربة»، وبناء صورة «المخرج الباحث» و«الممثل المتحكم»، وتطوير الخطتين القبلية والبعدية، وربط القيمة الفنية بالنفاذ الجماهيري، وتحويل استجابة الجمهور من رقم حضور أو تصفيق إلى مادة للمعرفة المسرحية. وتوثيق هذه العناصر في كتاب وعروض محددة يمنح المشروع نسبته التاريخية، لكنه لا يضعه فوق النقد أو الاختبار.

والإضافة الأهم أن مسرح كيف لا يكتفي بإعلان القرب من الجمهور. على المخرج أن يحدد ما الذي يريد معرفته، وكيف ستسمح مكونات العرض بظهور الاستجابة، وما الأدوات التي سترصدها، وكيف ستقارن بالتقويم الفني، وما القرار الذي سيترتب عليها. فالمسرح ليس استفتاءً على الذائقة، والفنان ليس منفذًا لرغبات الحضور؛ إنها علاقة معرفة وتأثير متبادل يحتفظ فيها الفنان بمسؤوليته الجمالية.

سادسًا: مجال التطبيق والحدود

يصلح المنهج، من حيث المبدأ، لمختلف الأنواع والأشكال المسرحية؛ لأنه لا يفرض نصًا أو فضاء أو أسلوب أداء محددًا. يمكن للمسرح الكلاسيكي والتجريبي والتجاري ومسرح الطفل والشارع ومسرح الموقع والمونودراما والعروض التفاعلية أن تستخدم دورة السؤال والتصميم والرصد والتحليل. لكن صلاحية الدورة لا تعني تشابه الوسائل أو النتائج؛ فلكل نوع جمهوره وأعرافه وحدوده.

كما أن مشاركة الجمهور الظاهرة ليست شرطًا. يصمم المخرج فرصة المشاركة ويحدد وظيفتها، بينما يبقى قرار المشاركة للمتفرج من غير ضغط أو إحراج. وقد تكون الاستجابة في الصمت والانتباه والتوتر أو الرفض، لا في الكلام والحركة وحدهما.

ويتغير تطبيق المنهج باختلاف المكان. ففي المسرح الحميم يستطيع الممثل والراصد متابعة الوجوه والتنفس والحركة والتعليقات مباشرة، بينما تحتاج القاعات الكبيرة إلى توزيع الراصدين، أو تصوير مناطق متعددة، أو اختيار عينات، أو تصميم مؤشرات جماعية واضحة. المكان ليس وعاء محايدًا؛ بل مكون يختاره المخرج الباحث كما يختار النص والممثل والإيقاع.

وتظل للنظرية حدود ينبغي التصريح بها:

  • نتائج الحالات التسع مرتبطة بسياقاتها ولا تكفي للتعميم الإحصائي.
  • حضور المؤسس بوصفه مخرجًا وباحثًا يرفع احتمال الانحياز، وهو ما يستدعي رصدًا وتقويمًا مستقلين.
  • لم تستخدم جميع التجارب أدوات موحدة أو عينات متكافئة.
  • بعض المفاهيم، مثل «طاقة العرض» و«الدهشة الوظيفية»، تحتاج إلى مؤشرات تشغيلية أكثر تحديدًا.
  • صلاحية المنهج على نطاق أوسع تحتاج إلى تطبيقات تنفذها فرق مستقلة وتنشر نتائجها المؤيدة والمخالفة.

هذه الحدود لا تنقض المشروع؛ بل تحدد برنامج عمله المقبل. فالنظرية التي لا تعترف بما لم تختبره تتحول بسهولة إلى خطاب احتفالي، بينما تريد نظرية مسرح كيف أن تظل قابلة للنقد والتعلم.

سابعًا: برنامج التطوير والبحث المقبل

يحتاج المشروع في مرحلته التالية إلى تطبيق معياري يبدأ منذ التخطيط بأدوات موحدة، ويقارن بين عرضين أو أكثر مع تغيير عنصر محدد، ويستعين براصدين مستقلين، ويضيف قياسًا مؤجلًا لما بقي في ذاكرة الجمهور. كما يفيد إنشاء سجل مشترك تستطيع الفرق من خلاله توثيق السؤال والآلية والنتيجة والقرار، بما يسمح بمقارنة التطبيقات من غير افتراض تطابقها.

ولا يعيد هذا التطبيق تأسيس المنهج؛ فالتجارب التسع هي أساسه التاريخي. لكنه يقدم نموذجًا أكثر اكتمالًا يساعد الآخرين على تعلم الخطوات، وفحص المفاهيم، وتطوير مؤشرات القيمة الفنية والنفاذ الجماهيري، وتحديد ما يبقى صالحًا عند انتقال المنهج من فرقة إلى أخرى ومن بيئة إلى أخرى.

الخاتمة

مسرح كيف ليس شكلًا إخراجيًا واحدًا ولا قائمة تقنيات، بل نظرية في العلاقة الحية بين العرض والجمهور، ومنهج لتصميم هذه العلاقة والتعلم منها. جوهر النظرية أن العمل لا يكتمل على الخشبة وحدها، وأن الجمهور يدخل في تكوين الواقعة منذ لحظة حضوره، وأن استجابته دليل يحتاج إلى تفسير لا حكم نهائي على القيمة. أما جوهر المنهج فهو الانتقال من الحدس إلى السؤال، ومن السؤال إلى التصميم، ومن العرض إلى الرصد، ومن النتيجة إلى قرار جديد.

بدأ المشروع عام 2006 بمشكلة وعروض وأسئلة، ثم أنتج مفاهيمه وإجراءاته عبر الممارسة. وتتمثل غايته في جمع ثلاثة مكاسب: قيمة فنية تحمي المسرح من السطحية، ونفاذ جماهيري يحميه من العزلة، وتعلم موثق يحمي خبرة الفرق من الضياع. وحين تستخدمه فرق مستقلة، وتنشر نتائجه السلبية إلى جانب نتائجه المؤيدة، ويصبح التوثيق جزءًا من صناعة العرض، لن يبقى «مسرح كيف» تجربة مؤسس فحسب، بل معرفة مسرحية قابلة للحياة والنقد والتجدد.

المراجع العربية

  • برشيد، عبد الكريم. (1985). حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي. الدار البيضاء: دار الثقافة.
  • الحكيم، توفيق. (1967). قالبنا المسرحي. القاهرة: مكتبة الآداب ومطبعتها.
  • إدريس، يوسف. (1964). «نحو مسرح مصري» (الأجزاء 1–3). الكاتب، الأعداد 34–36 (يناير–مارس)، ص 67–79، 109–120، 86–97.
  • إدريس، يوسف. (1974). نحو مسرح عربي: مع النصوص الكاملة للمسرحيات: الفرافير، المهزلة الأرضية، الجنس الثالث، المخططين. بيروت: دار الوطن العربي.
  • مدخلي، ياسر بن يحيى. (2020). مسرح كيف: صناعة التجربة المسرحية. نسخة المؤلف.
  • ونوس، سعد الله. (1970). «بيانات لمسرح عربي جديد». المعرفة، العدد 104، أكتوبر، ص 5–34.
  • ونوس، سعد الله. (1988). بيانات لمسرح عربي جديد. بيروت: دار الفكر الجديد.

المراجع الأجنبية

  • Boal, Augusto. (1979). Theatre of the Oppressed. Translated by Charles A. McBride and Maria-Odilia Leal McBride. London: Pluto Press.
  • Brecht, Bertolt. (1964). “A Short Organum for the Theatre.” In Brecht on Theatre: The Development of an Aesthetic, edited and translated by John Willett, pp. 179–205. London: Methuen.
  • Fischer-Lichte, Erika. (2008). The Transformative Power of Performance: A New Aesthetics. Translated by Saskya Iris Jain. London and New York: Routledge.
  • Grotowski, Jerzy. (1968). Towards a Poor Theatre. Preface by Peter Brook. Holstebro: Odin Teatrets Forlag.
0