ياسر مدخلي

الشخصيات الدرامية

الشخوص في المسرحية أعداء، وأصدقاء، خونة وأوفياء، أشرار ونبلاء… يواجهون حياة حقيقية في عالمهم.. حتى الشخصيات التي نكتبها لتظهر ضعيفة.. يجب أن تكون قوية بما يكفي ليقتنع بها القارئ/المخرج/الممثل… الجمهور… إن بناء الشخصيات في كتابة المسرحية هو الجزء الأكثر أهمية، ومحاولة التأليف التي تتعامل مع الشخصية كأداة صوتية، تجعل من النص “ثرثرة” واصفة مايحدث لافاعلة، في حين أن الشخصية يجب أن تكون لاعبا مؤثرا لتجسيد الأحداث بلغة الحوار ولغة الجسد ولغة المشاعر كي تتسلل إلى وجدان المتلقي لتحقيق التسلية والفائدة باتزان..

الشخصيات أحيانا تقفز طواعية إلى ذهن المؤلف أو يستدعيها رغما عنها، ويتورط في وجودها بعد ذلك، وهنا تظهر مهارة الكاتب، وكيف يصنع وزنا دراميا يليق بها؛ لتجسد دورا في حكايته. فالشخصيات التي تنال رتبة البطولة تأخذ مساحة أكبر وهي تقترب من صوت المولف وقناعاته غالبا، لكن تلك التي تلعب دورا ثانويا تكون خداعة، فكثير منها فضلة، وفائضة عن حاجة النص، وتكون عبئا عليه وتنال من إيقاعه وتشوش على مقولته. والكاتب الحصيف يُعرف بقدرته على تحديد إمكانيات شخصياته الدرامية.. فإما يمنحها أقدارا ترتقي بحضورها أو ستكون بإصراره على هشاشتها مضرة بمستوى تأثير المشهدية ككل ومخلة بعنصر الحوار وسببا في ترهل الأحداث..

وعلاقة المؤلف بالشخصيات التي يكتبها ليست علاقة عابرة، بل علاقة وطيدة وعميقة، فهي تشكل الأصوات التي يسمعها من حوله، وهي أفكاره المتناقضة، والأسئلة المؤرقة والإجابات الأكثر حيرة.. ديستويفسكي مثلا يقدم لنا شخصيات تشكل جدالاته المتناقضة، وغوستاف لوبير يعتقد بأن الشخصية المتخيلة صيغة جديدة لحقيقة المؤلف، وبراندللو يعكس الآية فبرأيه الشخصيات كيان مستقل وحقيقي أكثر من الواقع، وتشيخوف يضع المؤلف في موقف المراقب فقط، مهما توهم بأنه يسيطر على الشخصيات. وأتفق مع هنري جيمس أن الشخصية هي أساس الحكاية إن لم تكن هي الحكاية، لكن بريخت يراها وعاء للفكرة وأداة لعرضها لا أكثر، على عكس ستانسلافيسكي الذي يؤمن أن الشخصية حالة معايشة وانغماس، وبيتر بروك يدفع بأن الشخصية تكتمل في بيئتها ولا تتجزأ منها، وبرغم أن جروتوفيسكي يقدم الشخصية بطاقتها الكامنة وجوهرها الروحي والجسدي المتجرد، إلا أن صمويل بيكيت جعلها مخلوقا هشا مسلوب الإرادة مستسلم يسخر من غروره..

ولتكتب مسرحيتك الأولى عليك أن تصنع شخصيات قادرة على مواجهة مصيرها وتمتلك القدرة على تحريك أقدارها، ولدى كل منها نبرة تنسجم مع موقفها الدرامي، ومهما كانت قاسية تكون مرنة ليرتديها الممثل، ومهما كانت هزيلة فعليك أن تمنحها القدرة على الوقوف بثبات في سردية متماسكة. النص المسرحي الجيد يعتمد على ذلك النبض المستمر في عروق الشخوص، والشخصية الجيدة هي المنفردة عن غيرها شكلا ومضمونا و أثرا في سياق الحكاية، تعرف ماذا تريد، وتواجه مالاتريد، وتتغير، ويمكن تجسيدها على خشبة المسرح

فالشخصية المسرحية لا تختبر في مناطق الراحة، بل في موقف الاضطرار، حيث يكشف قرارها في المواجهة عن جوهرها الحقيقي وعقيدتها في الحياة التي تعيشها على الخشبة واقعا يعكس وظيفتها الدرامية،، إما أن تدفع الحدث، أو تعرقله، أو تكشف مكانها من أطراف الصراع. الشخصية لا تبنى منفردة، بل تتضح ملامحها أكثر عبر علاقاتها بغيرها وكل علاقة تفضح وجها جديدا لها.

يقف الكاتب الحذق في منطقة توازن بين الانغماس في المجتمع من جهة.. والملاحظة الراصدة عن بعد من جهة أخرى. فالكاتب يشكل لنا عالما جديدا نتيجة الاختلاط الذي يجعله ملما، والعزلة التي تساعده على ترتيب الذاكرة وصياغة الأحداث وبناء الشخصيات ليصنع صورته المبتكرة التي تحاكي الحياة..

إن نجاح الشخصية الدرامية لا يُقاس بمدى خدمتها للحبكة أو الفكرة فحسب، بل بقدرتها على كسب اهتمام وتعاطف الجمهور. فبرغم ارتباط الشخصية بمؤلفها بوصفه خالقها الأول، إلا أن عليه أن يؤهلها لتعقد مع المتلقي ميثاقاً سرياً. الكاتب “يبدع” الشخصية ليقول شيئًا من خلالها، لكن المتلقي “يتعاطف” معها لأنه سمع منها مايعنيه، هكذا تكتمل صورة الشخصية الدرامية، وتبدأ رحلتها خارج النص. فالمتلقي لا يتعامل مع الشخصية بوصفها فكرة مجردة، بل بوصفها مرآة لذاته. فهو يرى فيها مخاوفه ورغباته وأخطائه وأحلامه المؤجلة وموقفه في هذه الحياة لذلك قد يرتبط شخصان بالشخصية نفسها لأسباب مختلفة تماماً. لهذا نجد بعض الشخصيات أكثر شهرةً وخلوداً من مؤلفيها. فالجمهور لا يشعر أنه يعرف شكسبير بقدر ما يعرف هاملت، ولا يعرف سيرفانتس بقدر ما يعرف دون كيشوت، ولا يعرف بيكيت بقدر ما يعرف فلاديمير وإستراغون. الشخصية تخرج من يد كاتبها لتعيش حياة مستقلة داخل وجدان المتلقين.

0