التعاونية المسرحية وتحدي البقاء! – لمحة عن تجربة مسرح كيف
في لحظةٍ يتسارع فيها نمو القطاع الثقافي غير الربحي، لم يعد السؤال: كيف نُنتج عملًا إبداعيًا؟ بل أصبح: كيف نبني كيانًا يستطيع أن يستمر، ويتطور، ويُحوّل الإبداع إلى أثرٍ متراكم؟ هذه هي المساحة التي تتحرك فيها تجربة مسرح كيف منذ تأسيسه عام 2006؛ تجربة لم تُبنَ على المصادفة، بل على وعيٍ مبكر بأن الإبداع وحده لا يكفي، وأن الاستمرارية تحتاج إلى نظام.
منذ البدايات، أدرك مسرح كيف أن التحدي الأكبر في العمل الثقافي ليس في توليد الأفكار، بل في إدارتها. لذلك، اعتمد على ركيزة الحوكمة بوصفها حجر الأساس. لم تكن الحوكمة هنا مفهومًا نظريًا، بل تجسدت في لائحة داخلية واضحة تحدد الأدوار، وتضبط العلاقات، وتضع آليات دقيقة للعمل المالي والإداري والرقابي. هذه اللائحة لم تُقيد الإبداع، بل حررته من العشوائية، ومنحت الفريق بيئة عمل مستقرة مقارنة بمثيلاتها. الشفافية في إدارة الموارد، والانضباط في اتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات بشكل واضح، كلها عناصر أسهمت في تحويل المسرح من مبادرة ثقافية إلى كيان يعمل بعقلية مؤسسية، دون أن يفقد حسه الفني. هذا التوازن بين الحرية والتنظيم هو ما مكّن مسرح كيف من تجاوز المراحل الحرجة التي يمرّ بها أغلب المشاريع الثقافية في سنواتها الأولى.
الركيزة الثانية كانت الاستدامة، وهي الاختبار الحقيقي لأي مشروع غير ربحي. كثير من المبادرات الثقافية تبدأ بحماس عالٍ، لكنها تتوقف عند أول تحدٍ مالي أو إداري. أما في مسرح كيف، فقد تعاملنا مع الاستدامة كمنظومة متكاملة، لا كمجرد تمويل. عبر تنويع الأنشطة بين التدريب والإنتاج، وتحويل العملية التعليمية إلى تجربة تطبيقية، استطاع المسرح أن يبني تدفقًا مستمرًا من العمل على مدى ما يقارب عقدين. لم يكن هناك اعتماد على مشروع واحد أو مصدر واحد، بل على دورة إنتاجية متجددة تعيد استثمار الخبرة والمعرفة داخل المنظومة نفسها. هذه الاستمرارية لم تكن إنجازًا زمنيًا فقط، بل كانت دليلًا على وجود نموذج تشغيلي قادر على التكيف والنمو، واستفادت منه المواهب المهمشة والمسارح المهجورة والجمهور المتعطش.
أما الركيزة الثالثة، فهي المشاركة، والتي تمثل جوهر الفكرة التعاونية.
في مسرح كيف، لم يكن الأعضاء مجرد منفذين، بل شركاء في التجربة. المشاركة لم تقتصر على تنفيذ الأعمال، بل امتدت إلى تطوير المشاريع، والمساهمة في الإدارة، واتخاذ القرار. هذا النمط خلق إحساسًا بالملكية الجماعية، وجعل كل فرد جزءًا من النجاح، لا مجرد متلقٍ له. ومع مرور الوقت، تشكلت شبكة من العلاقات المهنية والإبداعية التي أعادت تعريف مفهوم الفريق، ليصبح أقرب إلى مجتمع إنتاجي قادر على الاستمرار بذاته، ولم يتأثر بانسحاب المؤهلين ولا بتوافد المستجدين، لأنه نظام ثابت ومرن.
هذا التراكم في الحوكمة والاستدامة والمشاركة قادنا بطبيعة الحال إلى سؤال: هل يبقى هذا النموذج في إطاره، أم يتحول إلى صيغة أكثر نضجًا وتنظيمًا؟ وهنا تبرز أهمية التحول إلى جمعية تعاونية ثقافية، ليس كخيار تنظيمي فقط، أو هدف استراتيجي منذ التأسيس، بل كامتداد طبيعي للتجربة. فالتعاونيات في المجال المسرحي ليست فكرة حديثة، بل تمتلك جذورًا عريقة في عدد من التجارب العالمية التي أثبتت قدرتها على الاستمرار لعقود، بل لأجيال. هذه الكيانات قامت على مبادئ واضحة: الملكية المشتركة، والإدارة الديمقراطية، وتقاسم الموارد والعوائد، وهي المبادئ ذاتها التي تشكّلت بشكل أولي في تأسيس فرقة كيف للفنون المسرحية منذ سنوات.
إن ما يميز هذه النماذج عالميًا ليس فقط عمرها الطويل، بل قدرتها على خلق توازن بين الإبداع والاقتصاد، بين الحرية والمسؤولية، وهو التوازن الذي يسعى مسرح كيف إلى ترسيخه في سياق محلي سعودي. التحول إلى تعاونية لا يعني إعادة اختراع الذات، بل تقنين ما تم بناؤه، وتوسيع نطاقه، ومنحه إطارًا قانونيًا يضمن استدامته ونموه.
عند النظر إلى تجربة مسرح كيف في سياق التعاونيات والفرق المسرحية عالميًا، تتضح ملامح تمَيُّز تستحق التوقف عندها، ليس من باب المقارنة الشكلية، بل لفهم موقع هذه التجربة ضمن خارطة النماذج الإبداعية المستدامة.
ففي حين تمثل تجارب مثل تياترو او باندو- Teatro O Bando في البرتغال، و دبل ايج ثياترDouble Edge Theatre في الولايات المتحدة، و رافيللو سانزيو Raffaello Sanzio في إيطاليا نماذج لمنظمات مسرحية نجحت في بناء حضور فني طويل الأمد، فإنها في جوهرها تركز على الإنتاج المسرحي بوصفه الغاية الأساسية، مع امتدادات تعليمية أو مجتمعية متفاوتة.
في المقابل، تتجاوز تجربة مسرح كيف هذا الإطار التقليدي، إذ لا تعمل بوصفها فرقة مسرحية أو جماعة إنتاج فني فحسب، بل كنموذج هجين يجمع بين التدريب، والإنتاج، والمختبر الفني، وتصميم التجربة الإبداعية. هذا التعدد في الوظائف يمنحها طابع “المنصة” أكثر من كونها كيانًا أحادي النشاط، وهو ما يفتح المجال أمام استدامة أوسع وقدرة أعلى على التكيف مع تحولات السوق الثقافي.
وعلى مستوى الحوكمة، ورغم أن العديد من التعاونيات العالمية تعتمد على الإدارة الجماعية وروح المشاركة، إلا أن هذا غالبًا ما يأتي على حساب الصرامة التنظيمية. هنا تبرز إحدى أهم نقاط قوة مسرح كيف، حيث تمكّن منذ وقت مبكر من بناء لائحة داخلية واضحة تضبط الجوانب المالية والإدارية، وتحدد الأدوار والمسؤوليات بدقة. هذا الجمع بين روح التعاونية وانضباط العمل المؤسسي يمثل ميزة تنافسية نادرة، حتى عند مقارنته بتجارب عالمية عريقة.
أما من حيث الاستدامة، فإن بعض النماذج العالمية، مثل امباكت ثياتر كوبريتف Impact Theatre Co-operative، في بريطانيا، ورغم تأثيرها الفني الكبير، لم تتمكن من الاستمرار طويلًا، لذلك تعتمد نماذج كثيرة على الدعم الحكومي أو المنح أو الجولات الدولية كمصدر رئيسي للبقاء. في حين يقدم مسرح كيف نموذجًا مختلفًا قائمًا على الاستمرارية التشغيلية عبر تنويع الأنشطة، وإعادة تدوير القيمة داخل المنظومة، وهو ما مكّنه من الحفاظ على نشاط متواصل لما يقارب عقدين من الزمن. هذه الاستمرارية لا تعكس فقط القدرة على البقاء، بل تشير إلى وجود نظام إنتاجي متكامل.
وفي جانب العلاقة مع السوق، تميل كثير من التعاونيات المسرحية عالميًا إلى العمل داخل دوائر ثقافية محدودة أو موجهة للنخب الفنية، بينما يذهب مسرح كيف إلى أبعد من ذلك، عبر بناء مسار متكامل يبدأ من التأهيل، ويمر بالإنتاج، وينتهي بالتمكين والانخراط في السوق. هذا التحول يجعل منه أقرب إلى “مسرّع إبداعي” يرفد القطاع بالمواهب الجاهزة، بدلًا من الاكتفاء بإنتاج العروض.
وعند استعراض نماذج التعاونيات المسرحية الرسمية في أوروبا وأمريكا، تتضح صورة مختلفة عمّا هو شائع في الخطاب الثقافي، حيث لا تقوم هذه الكيانات على الإنتاج الفني فقط، بل على بناء أطر جماعية اقتصادية واجتماعية للفنانين.
من أبرز هذه النماذج في أوروبا
تياترو ادوكِ Teatro Ádóque التي تعد من أوائل التعاونيات المسرحية في البرتغال، وارتبطت بالحراك الاجتماعي والثقافي بعد التحولات المجتمعية في السبعينيات، حيث لعبت دورًا في ربط المسرح بالقضايا المجتمعية.
وفي نطاق أوسع، تظهر تجربة تياترو كوبريتيفي Tiyatro Kooperatifi كنموذج معاصر لتعاونية مهنية تجمع عشرات المسارح المستقلة والمسرحيين ضمن كيان واحد يعمل على تقوية البنية الاقتصادية والقانونية للقطاع، ويوفر التدريب والدعم وبناء الشراكات، مع تركيز واضح على الاستدامة والتأثير الاجتماعي .
أما في الولايات المتحدة، فتظهر نماذج مثل Pacific Resident Theatre التي تأسست كـ“تعاونية ممثلين”، حيث يتشارك الفنانون في إدارة الإنتاج وتقديم العروض، مع الحفاظ على طابع غير ربحي يعيد استثمار العوائد في العمل الفني.
وعلى الرغم من أن بعض النماذج الأمريكية لا تُسجل قانونيًا كتعاونيات، إلا أنها تعمل بروح تعاونية واضحة، وهو ما يعكس فجوة بين “الممارسة التعاونية” و”الإطار القانوني”.
في المقابل، لا تزال النماذج التعاونية المسرحية في آسيا، بما في ذلك الصين، أقل حضورًا بصيغها القانونية الواضحة، وغالبًا ما تأخذ شكل فرق جماعية أو شركات ثقافية مدعومة، بدلًا من تعاونيات مستقلة، وهو ما يعكس اختلاف البيئة التنظيمية والثقافية، حيث تميل النماذج إلى المركزية أو الارتباط بالمؤسسات الحكومية أكثر من الملكية الجماعية المستقلة.
عند مقارنة هذه النماذج بتجربة مسرح كيف، يظهر تقاطع واضح في المبادئ، مع اختلاف جوهري في التطبيق. فبينما تقوم التعاونيات العالمية على ثلاث ركائز أساسية: الملكية المشتركة، والإدارة الجماعية، والتكامل الاقتصادي بين الأعضاء، نجد أن مسرح كيف قد مارس هذه المبادئ فعليًا منذ عام 2006، ولكن بصيغة غير مُقننة. فقد أسس لنموذج حوكمة واضح عبر لائحة داخلية تضبط العمل المالي والإداري، وهو ما يتجاوز في صرامته كثيرًا من التعاونيات العالمية التي تعتمد على مرونة تنظيمية. كما حقق استدامة تشغيلية ممتدة لعقدين من الزمن، في حين أن العديد من التعاونيات تعتمد على الدعم أو تواجه تحديات في الاستمرارية. والأهم من ذلك، أن مسرح كيف بنى نموذجًا قائمًا على المشاركة الفعلية في الإنتاج والإدارة، بما يخلق إحساسًا بالملكية الجماعية، وهو جوهر العمل التعاوني.
غير أن الفارق الأساسي يكمن في أن التعاونيات العالمية بدأت ككيانات قانونية ثم طورت ممارساتها، بينما يمثل مسرح كيف حالة معاكسة: ممارسة تعاونية متنامية تبحث عن إطار قانوني ينظمها ويوسّع أثرها. وهذا ما يمنحها فرصة استراتيجية فريدة، ليس فقط كتعاونية رسمية، بل لتقديم نموذج سعودي متقدم يجمع بين الانضباط المؤسسي وروح العمل الجماعي، ويتجاوز في بعض جوانبه النماذج التقليدية، عبر دمج التدريب والإنتاج وتمكين السوق ضمن منظومة واحدة.
وعند قياس الأثر، قد لا تظهر فروقات كبيرة في الإيرادات المباشرة، نظرًا لطبيعة العمل غير الربحي في أغلب هذه النماذج، إلا أن الفارق الحقيقي يكمن في نوعية الأثر المتحقق. فبينما تركز التجارب العالمية على بناء مجتمعات فنية والمحافظة على استمرارية الممارسة المسرحية، يضيف مسرح كيف إلى ذلك بعدًا أكثر شمولًا يتمثل في تأهيل الأفراد، وتمكينهم مهنيًا، وخلق مسارات مستدامة لهم داخل وخارج الكيان، بما ينعكس على تنشيط السوق الثقافي ككل.
وضمن هذا المسار، يأتي “برنامج شغف” مبادرة مسرح الشباب واحدا من أبرز التطبيقات العملية لهذه الرؤية. فالبرنامج لم يكن مجرد مبادرة تدريبية، بل منصة متكاملة لإعادة إنتاج الركائز الثلاث على أرض الواقع. من خلال معسكر مكثف يمتد لثلاثة أشهر، يقوم بتأهيل مجموعة من المواهب في تخصصات متعددة، تجمع بين الكتابة والتمثيل ومسرح الدمى والإنتاج هذا التأهيل لم يكن نظريًا، بل قائمًا على الممارسة، حيث يتحول المتدرب إلى صانع تجربة منذ اللحظة الأولى. بعد ذلك، ينتقل البرنامج إلى مرحلة التمكين، حيث يُمنح المتميزون فرصة العمل على مشاريع حقيقية مع الجمهور، ما يخلق اتصالًا مباشرًا بين التدريب والسوق. أما الركيزة الثالثة، وهي الاستثمار في المواهب، فقد تحققت من خلال إعداد المشاركين للانخراط في سوق المسرح، ليس فقط داخل مسرح كيف، بل مع جهات أخرى، ما يعزز من حضورهم المهني ويُسهم في تنشيط القطاع ككل. بهذا المعنى، لا يُنتج البرنامج أفرادًا فقط، بل يرفد السوق بمنظومة جاهزة للعمل، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لدور التعاونية في تمكين الأفراد والقطاع في آن واحد.
ومع هذا التوسع في الرؤية، لم يعد المسرح هو المجال الوحيد الذي يتحرك فيه مسرح كيف. فدخول السينما يمثل خطوة استراتيجية نحو توسيع نطاق التجربة، واستثمار الخبرات المتراكمة في مجالات سردية وبصرية أوسع. هذا التحول لم يكن ممكنًا لولا البيئة الداعمة التي وفرتها الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية التي أسهمت في تمكين هذا التوجه، وإشراف وزارة الثقافة التي لعبت دورًا محوريًا في تعزيز حضور مسرح كيف ودعم مسيرته. هذه الشراكة بين المبادرة والجهات الممكنة تعكس نموذجًا متكاملًا للعمل الثقافي، حيث تتقاطع الرؤية الفردية مع الدعم المؤسسي لإنتاج أثر مستدام.
من هنا، يمكن القول إن مسرح كيف لا يقف في موقع المتلقي أو المقلد للنماذج العالمية، بل يتقاطع معها في المبادئ، ويتجاوزها في بعض التطبيقات، خصوصًا في دمج الحوكمة الرصينة التي تشجع حرية الإبداع وتحفز المبدع على التجديد و الابتكار لبناء نموذج تشغيلي متعدد الأبعاد. وهو ما يجعل المنظمة مؤهلة لتكون تجربة محلية تستحق الاحتفاء بها نموذجا تعاونيا ثقافيا سعوديا متكاملا، لا تكتفي بالحفاظ على الممارسة الفنية فحسب، بل تسهم في بناء اقتصاد إبداعي مستدام، وأثر فكري يستحق أن يُقرأ ويُحلل ويُبنى عليه.
مسرح كيف تجربة بدأت بفكرة، وقدمت للمسرح منهج فني مبتكر، وتطورت لتصبح مشروعًا صلبا يقف صامدا في وجه تحدياته. وفي وقتٍ يتزايد فيه الحديث عن الاستدامة وتمكين الإبداع، تقترح تجربتنا إجابة عملية: أن الإبداع لا يعيش طويلًا إلا إذا وجد نظامًا يحتضنه، ومجتمعًا يشاركه، ورؤيةً تؤمن بأن الأثر الحقيقي لا يُصنع فرديًا… بل يُبنى جماعيًا.
______________________
ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي
مركز الملك فهد الثقافي
أبريل 2026