ياسر مدخلي

ذات العين الواحدة.. كيف ترى المسرح؟

“إن ذلك الروبوت الذي اخترعه الإنسان يتمرد عليه ناسيا أن صون جوهره ورعايته بحاجة إليه..”

يمكن النظر إلى المسرح والسينما بوصفهما نظامين مختلفين لإنتاج الرؤية، لا مجرد وسيطين فنيين. فالمسرح، في جوهره، كائن متعدد العيون؛ تتوزع فيه الرؤية بين جمهور حاضر جسديًا، وممثل يؤدي أمامه، ولحظة حيّة تتشكل داخل فضاء مشترك لا يمكن تثبيته أو استعادته بنفس الشكل مرتين. الرؤية هنا ليست متمركزة، بل متبادلة، تتخلق داخل التفاعل اللحظي بين الأجساد والنظرات.

في المقابل، تقوم السينما على مبدأ مختلف جذريًا؛ عين واحدة تُعيد تنظيم الأحداث. حتى عندما تتعدد الزوايا واللقطات، تظل الكاميرا هي المركز الذي يختار، يقطع، ويعيد تركيب الواقع وفق منطق خاص بها. إنها لا تشارك في الحدث، بل تعيد صياغته بعد وقوعه، وتقدمه كأثر بصري معدل ومُعاد ترتيبه.

ومن هنا يمكن فهم التوتر العميق بين الفنين: فالمسرح يقوم على الحضور الذي يُعاش، بينما تقوم السينما على الصورة التي تُصنع. الأول يوزع الرؤية داخل اللحظة، والثاني يحتكرها داخل عين زجاجية واحدة.

لكن هذا التمييز ليس ثابتًا بالكامل. فكلما اقتربت السينما من المسرح عبر اللقطة الطويلة، أو الأداء المستمر، أو تقليل القطع، كلما حاولت أن تتخلى -إلى حد ما- عن أحاديتها البصرية، لتقترب من منطق التعدد الذي يميز الخشبة ويشكل فرادتها. عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح الفرق بينهما أقل حدة، لكنه لايعطي السينما نفس الامتياز الروحي للمعايشة.

إن أحادية الرؤية “السينما” تتعامل مع الفنون الأخرى بوصفها مادة سردية وإطارًا تأويليًا لأفكار المجتمع الإنساني، فهي لا تكتفي بإظهار الفنان أثناء ممارسته لفنه، بل تعيد بناء المنظومة الكاملة التي تحيط به: الذات، الأداة، الجمهور، السوق، والمؤسسة الإنتاجية. لذلك، عندما تقدّم السينما موسيقيًا أو رسامًا أو راقصًا أو ممثلًا أو مخرجًا، فهي في الواقع تقدّم نموذجًا إنسانيًا مضغوطًا يُختبر فيه معنى الهوية تحت ضغط الإبداع والواقع معًا.

الفنان في السينما يُبنى عادة على ثلاث طبقات، طبقة نفسية داخلية تتعلق -على سبيل المثال- بالهشاشة، الشك، الطموح، والخوف من الفشل أو النسيان؛ وطبقة مهنية تتعلق بالممارسة الفنية نفسها بما تحمله من تدريب وانضباط وصراع مع الكمال؛ وطبقة خارجية مرتبطة بالبنية الصناعية والاجتماعية التي تحكم الفن، مثل الإنتاج والتمويل، الجمهور، النقد، والفرص المحدودة. هذا التقاطع يجعل الفنان شخصية درامية مثالية، لأنه يعيش توترًا دائمًا بين ما يريد أن يقدّمه كفن، وما تسمح به شروط الصناعة والواقع.

وتركز السينما في تناول الفن بُعدًا دراماتيكيا يتمثل في طرح “هموم الفنان” اليومية التي تتحول إلى جزء من السرد، كالقلق من الاستمرارية، ضغط الإنتاج، المنافسة، العلاقات داخل الوسط الفني، الإحباطات المتكررة، والخوف من فقدان القيمة أو المكانة. هذه التفاصيل لا تُعرض كخلفية فقط، بل تُصبح جزءًا من البناء الدرامي نفسه، حيث تتداخل الحياة الشخصية مع العملية الإبداعية بشكل لا يمكن فصله.

كما تولي السينما اهتمامًا خاصًا بـ“كواليس الصناعة”، أي المسافة، بين ما يراه الجمهور النهائي وما يحدث في مراحل الكتابة والتحضير للرسم أو النحت.. أو ما يجري خلف الستار. هذه الكواليس تكشف الفن كعملية معقدة ومشحونة بالتفاوض والصراع والتنظيم، وليست مجرد لحظة إلهام وردية. وهكذا يتحول العمل الفني داخل السينما إلى نظام إنتاجي كامل، قصة تحكي علاقات قوة، وإدارة وقت، وقرارات تجارية، وأحيانًا تنازلات وهفوات.

بهذا الشكل، لا تُقدّم السينما الفنون كمنتج نهائي، بل كرحلة إنسانية وصناعية متشابكة، يكون فيها الفنان في قلب معركة مستمرة بين الإبداع والواقع.

لقد وجدت السينما في المسرح موضوعًا مثاليًا منذ بداياتها، ليس فقط لأنه فن قريب منها في التكوين، بل لأنه فن عريق ويقف على أساس متين أمام حداثة فن السينما وبذلك يجد السينمائي أمامه إرثا يشكل “مختبرًا جاهزًا” لفحص أسئلة الهوية والأداء والحقيقة، واستطاعت من جهة لفت أنظار جمهور المسرح ليسجل حضوره في السينما .. والمسرح -من جهة أخرى- يقوم على الفعل الحيّ أمام جمهور مباشر، وهو ما يجعل كل لحظة فيه مشحونة بإمكانية الخطأ، والنجاح، والانهيار. وعندما انتقلت هذه البيئة إلى السينما، تحولت إلى مادة درامية غنية تسمح بتفكيك الإنسان والفن في آن واحد.

تعاملت السينما مع المسرح أولًا بوصفه فضاءً إنسانيًا مغلقًا يمكن مراقبته من الداخل: غرف تبديل الملابس، البروفات، العلاقات بين الممثلين، وصراعات النجومية. هذا العالم الداخلي منح السينما فرصة لإظهار المسرح ليس كعرض جميل فقط، بل كمنظومة مليئة بالتوترات النفسية والمهنية. وهنا بدأت تظهر ثيمة “الكواليس” باعتبارها أكثر إثارة من العرض نفسه، لأن ما يحدث خلف الستار يكشف هشاشة الفنان أكثر مما يكشفه الأداء أمام الجمهور.

لاحقًا، تطور استخدام المسرح في السينما ليصبح أداة فلسفية. لم يعد المسرح مجرد مكان للأحداث، بل أصبح رمزًا لفكرة “الأداء الإنساني” نفسه. الإنسان داخل السينما لم يعد فقط ممثلًا على خشبة، بل أصبح كائنًا يؤدي أدوارًا متعددة في حياته اليومية. هذا التحول جعل المسرح مرآة مزدوجة: فهو يعكس الفن من جهة، ويعكس الحياة كتمثيل مستمر من جهة أخرى.

كما استفادت السينما من المسرح في بناء أشكال سردية مختلفة، مثل الأفلام التي تعتمد على الحوار المكثف أو المكان الواحد أو الزمن المحدود، حيث تتحول الكاميرا إلى عين تراقب عرضًا شبه مسرحي. ومع تطور السينما، لم يعد المسرح مجرد موضوع خارجي، بل أصبح بنية داخلية في أسلوب السرد نفسه، يظهر في طريقة الأداء، وإدارة المشهد، وتوزيع الشخصيات داخل الإطار.

بهذا المعنى، وجدت السينما المسرح موضوعا جاهزا وقدمته كمرآة لفهم الإنسان وهو يؤدي ذاته، داخل الفن وخارجه في آن واحد، وفي كل مرة كانت تعيد تقديم المسرح من زاوية مختلفة، مرة كمساحة احتراق، ومرة كصناعة، ومرة كأزمة وجود، ومرة كامتداد للحياة نفسها. ومن خلال عدد من الأعمال المفصلية، يمكن تتبع هذا التحول كأنه سيرة فكرية للمسرح في عين السينما.

في بعض الأفلام، يظهر المسرح بوصفه تجربة استنزاف نفسي وجسدي، حيث يصبح الفنان محاصرًا بين عبقريته الخاصة وضغط الأداء المستمر. في Opening Night  وAll That Jazz  يتقدم المسرحي ككائن يعيش على حافة الانهيار، لا يفصل بين حياته الشخصية ودوره على الخشبة، حتى تصبح الهوية نفسها مهددة بالذوبان. وفي امتداد لاحق لهذا الحس، تأتيBlack Swan  لتعمّق فكرة الاحتراق، حيث يتحول الأداء إلى قوة تلتهم الجسد والعقل معًا.

وفي اتجاه مختلف تمامًا، تنقلنا أفلام أخرى إلى خلف الستار، حيث لا يعود المسرح عرضًا جميلًا بقدر ما هو منظومة إنتاج معقدة. في Noises Off وBullets Over Broadway وTopsy-Turvy وThe Producers يتكشف المسرح كفضاء مليء بالفوضى والتفاوض والصراعات الخفية، حيث تتجاور الرغبة في الإبداع مع شروط التمويل والنجاح والجمهور. هنا يصبح المسرح صناعة أكثر منه قداسة، ونظامًا يعمل بقدر ما يتعثر.

وفي مستوى أكثر فلسفية، يتحول المسرح إلى سؤال عن الهوية ذاتها. في Synecdoche, New York وRosencrantz & Guildenstern Are Dead وBeing Julia  لا يعود المسرحي مجرد مؤدٍ، بل كائنًا يشك في واقعه، ويتساءل عن الحد الفاصل بين من يعيش ومن يؤدي. يصبح المسرح هنا بنية فكرية أكثر منه مكانًا فعليًا.

وفي بعض الأعمال، تتلاشى الحدود بين المسرح والحياة إلى درجة يصعب فيها التمييز بين البروفة والواقع. في Vanya on 42nd Street وMy Dinner with Andre وDrive My Car يتحول الأداء إلى شكل من التفكير الجماعي، حيث لا يعود المسرح حدثًا منفصلًا، بل طريقة لفهم الوجود نفسه عبر الحوار والتمثيل والذاكرة.

أما في مستوى أكثر خفة وسخرية، فتظهر أعمال مثل Shakespeare in Love وWaiting for Guffman وStage Door لتعيد المسرح إلى واقعه الاجتماعي، حيث الطموح، والبحث عن الفرصة، وصراع النجاة داخل بيئة فنية تنافسية، لا تقل قسوة عن أي سوق آخر.

من خلال هذا الامتداد، يتضح أن السينما لم تنظر إلى المسرح كموضوع واحد، بل ككائن متعدد “العيون” وفي كل مرة، كان المسرح يعود ليذكّر السينما بشيء جوهري: أن الإنسان، في جوهره، ليس سوى كائن يؤدي ذاته أمام الآخرين.

عبر العقود، لم يكن حضور المسرح داخل السينما ثابتًا، بل كان يتحرك ككائن حيّ يعيد تعريف نفسه مع كل مرحلة من تطور الوعي السينمائي. يمكن قراءة هذا التحول بوصفه رحلة حيث لم يعد المسرح موضوعًا مستقلًا، بل صار طريقة مختلفة لفهم الإنسان داخل الصورة.

في الثمانينات، يظهر المسرح داخل السينما بوصفه تجربة وجودية قاسية، يذوب فيها الحد بين الفنان ودوره. المسرحي هنا ليس مجرد مؤدٍ، بل كائن يعيش حالة استنزاف مستمر، تتحول فيها العبقرية إلى عبء ثقيل. لا يبدو المسرح آنذاك منظومة يمكن إدارتها أو تنظيمها، بل قوة داخلية تلتهم صاحبها تدريجيًا، حتى يصبح الأداء ذاته شكلًا من أشكال المصير المحتوم. في هذا السياق، يتجسد المسرح كاحتراق من الداخل، حيث لا يبقى للفنان خارج دوره مساحة آمنة للنجاة.

ومع الانتقال إلى التسعينات، تتغير زاوية النظر بشكل واضح. لم يعد المسرح يُرى كعالم مستقل أو تجربة روحية، بل كجزء من شبكة أكبر تشمل الاقتصاد والإنتاج والعلاقات والنصوص. هنا تبدأ السينما في تفكيك المسرح بوصفه صناعة لها قواعدها، لا كقداسة فنية. الكواليس تصبح جزءًا أساسيًا من السرد، ويظهر المسرح كنظام يعمل داخل نظام أوسع، لا كمركز له. هذا التحول يضع المسرح في موقع أكثر واقعية، ويعيده إلى شروط السوق والاشتغال المؤسسي.

في الفترة الممتدة من 2000 إلى 2010، ينتقل التركيز من المسرح كمؤسسة إلى المسرحي كذات فردية تعيش ارتباكًا داخليًا. لم يعد السؤال يتعلق بكيفية إنتاج العرض، بل بجدوى ممارسة الفن نفسه. تتعمق أزمة الهوية: ما معنى أن يكون الإنسان مسرحيًا في عالم يتغير بسرعة؟ وهل ما زال لهذا الفن وظيفة تتجاوز الذات؟ في هذه المرحلة، يصبح المسرحي كائنًا يحاول باستمرار إثبات معناه داخل عالم لم يعد يمنحه إجابات واضحة.

ثم تأتي مرحلة 2010 إلى 2021، حيث يفقد المسرح حضوره المباشر كموضوع مستقل، لكنه لا يختفي. بل يتحول إلى أثر داخلي يتخلل بنية السرد السينمائي نفسه. يظهر في طبيعة الأداء، وفي الحوارات الممتدة، وفي الفضاءات المغلقة التي تستعيد منطق الخشبة دون إعلان ذلك صراحة. هنا لا يعود المسرحي يبحث عن المسرح بقدر ما يعيش داخل امتداده غير المرئي، داخل نظام إنتاج بصري سريع ومكثف لا يمنح دائمًا فرصة للظهور المباشر.

أما في المرحلة الممتدة من 2021 إلى 2030، فلا يمكن الحديث عن “تجاهل” للمسرح بقدر ما يمكن الحديث عن ذوبانه داخل لغة السينما نفسها. فالأداء أصبح يحمل بنية مسرحية حتى دون الإشارة إلى المسرح، والحوار الطويل يستعيد منطق البروفة، والفضاءات المحدودة تعيد إنتاج خشبة غير مرئية داخل الصورة. بهذا المعنى، لا يغيب المسرح، بل يفقد اسمه بعدما يتحول إلى جزء من طريقة التفكير السردي.

وهكذا، لا يبدو أن العلاقة بين السينما والمسرح علاقة حضور أو غياب، بل علاقة تحوّل مستمر. من الاحتراق إلى النظام، ومن النظام إلى الهوية، ومن الهوية إلى الأثر، وصولًا إلى الذوبان داخل البنية. وفي كل مرحلة، كان المسرح يكرس حضور الإنسان بكل عناصره الحيوية المؤثرة.

ويبدو أن حضور المسرح داخل السينما في العقود الأخيرة قد تراجع بوصفه موضوعًا مباشرًا، لكن هذا التراجع لا يمكن قراءته كاختفاء أو قطيعة كاملة، بقدر ما هو انتقال هادئ في طريقة تمثيله ووظيفته. فالمسرح، الذي كان يومًا ما مادة سردية مركزية في أفلام كثيرة، لم يعد يُقدَّم بوصفه فضاءً قائمًا بذاته، بل أصبح يتسلل إلى داخل البنية السينمائية بشكل غير معلن، سواء عبر الأداء أو البناء الدرامي أو طبيعة المشهد.

في هذا السياق، يمكن القول إن السينما لم تتخلَّ عن المسرح، لكنها أعادت امتصاصه داخل لغتها الخاصة. فبدل أن يكون المسرح “موضوعًا يُحكى”، أصبح “طريقة يُروى من خلالها”. تظهر هذه التحولات في الميل المتزايد إلى المشاهد الطويلة، والحوار الكثيف، والفضاءات المغلقة، وهي عناصر تستحضر منطق الخشبة دون أن تشير إليها مباشرة.

ومع تسارع التطور التقني في السينما بوصفها فنًا يعتمد على الصورة المصنّعة، والمؤثرات، والذكاء الاصطناعي، يتعزز طابعها كفن “آلي” قائم على إعادة إنتاج الواقع وتشكيله. في المقابل، يحتفظ المسرح بطبيعته كفن حضور حيّ لا يُستعاد ولا يُعاد إنتاجه بنفس اللحظة، ما يخلق نوعًا من التباين بين “فن الآلة” و“فن الجسد الحي”. غير أن هذا التباين لا يؤدي بالضرورة إلى إقصاء أحدهما للآخر، بل إلى إعادة توزيع الأدوار بينهما داخل التجربة السينمائية.

على مستوى الصورة الرمزية، لم يعد “المسرحي” في السينما الحديثة يحتل الموقع ذاته الذي كان عليه في العقود السابقة، حين كان يُقدَّم كعبقري مأساوي أو فنان يواجه مصيره داخل الخشبة. فاليوم تتجه السينما أكثر نحو شخصيات مرتبطة بالفضاءات الرقمية، والإنتاج الإعلامي السريع، وصناعات المحتوى، ما يقلل من مركزية النموذج المسرحي التقليدي.

ومع ذلك، لا يبدو أن المسرح سيغادر السينما تمامًا، بل سيستمر في التواجد بشكل أكثر خفاءً يتعمّده السينمائيون وتزداد روحه عمقًا رغما عنهم، كمنطق أداء وطريقة تفكير في بناء المشهد، لا كموضوع مستقل. وهكذا، فإن ما يبدو كـ“تجاهل” للمسرح قد يكون في جوهره انتقالًا من حضوره المعلن إلى حضوره الضمني. يقول رينيه ديكارت René Descartes “الجسد يعمل كآلة ميكانيكية، لكن العقل (الوعي) يميّز الإنسان”.

وقبل أن انتهي،،

ما يؤكد أفضلية المسرح كتجربة إبداعية على السينما .. ما تتحرك إليه السينما في أدوات التكنولوجيا بوصفها أذرعة لإعادة إنتاج الإحساس الإنساني، وتبدو المفارقة واضحة.. فكلما تضخمت الآلة، ازداد الحنين إلى الأصل الحيّ الذي خرجت منه الصورة.

فالسينما الحديثة، خصوصًا مع تقنيات مثل 4DX وIMAX والتجارب المتقدمة، تحاول السينما إعادة “الإحساس الجسدي” لكن عبر الآلة لا عبر الحضور الإنساني. اهتزاز المقاعد، الهواء، الروائح، الماء، الحركة… كلها محاولات لجعل المتفرج “داخل” الحدث بدل أن يكون مجرد مشاهد له. وما يتميز به المسرح أنه يمتلك كل هذا وبشكل أصدق وأقل تكلفة .

فالفرق الجوهري أن المسرح لا يحتاج إلى مؤثرات حسية ليخلق الحضور، لأن الجسد البشري نفسه هو المؤثر الأساسي.

ارتجافة صوت الممثل، الصمت المفاجئ، خطأ عابر، نظرة مباشرة للجمهور… هذه عناصر لا يمكن برمجتها بالكامل، لأنها تحدث في الزمن الحيّ وغير القابل للتكرار.

ومن هنا تبدو تقنيات مثل 4DX وكأنها محاولة من السينما لاستعادة “الأثر الجسدي” للمسرح، لكن عبر الوسيط الصناعي. أي أن الآلة تحاول تقليد الإحساس العضوي الذي فقدته الصورة المعالجة تقنيًا.

يبقى فن المسرح ثابتا شامخا خالدا في مكانته بوصفه الفن الذي لم يفصل الإنسان عن حضوره المباشر، ولم يستبدل الجسد بالأثر التقني. ولهذا يمكن استحضار ما يطرحه مارتن هايدغر Martin Heidegger  حين يؤكد أن “جوهر التقنية ليس تقنيًا”، بمعنى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأدوات ذاتها، بل في الطريقة التي تعيد بها التقنية تشكيل علاقتنا بالعالم، بحيث يتحول الإنسان تدريجيًا من كائن يعيش التجربة إلى كائن يستهلكها.

في هذا السياق، يبدو المسرح أكثر مقاومة لهذا التسطيح؛ لأنه يقوم على الحضور لا على إعادة الإنتاج، وعلى الزمن الحيّ لا الزمن المعاد تركيبه. فالعرض المسرحي لا يمكن نسخه أو استعادته بالطريقة ذاتها مرتين، لأنه مرتبط بوجود إنساني متغير، هش، ومفتوح على الاحتمال. بينما تميل السينما، بوصفها فنًا آليًا، إلى تثبيت اللحظة وتحويلها إلى منتج قابل للتكرار والاستهلاك اللامحدود.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة تفوق المسرح عبر تصور الفيلسوف والتر بنيامين Walter Benjamin الذي رأى أن “العمل الفني يفقد “هالته” الأصلية كلما أصبح قابلًا للاستنساخ التقني”. فالمسرح يحتفظ بهذه “الهالة” لأنه يحدث مرة واحدة، أمام جمهور حاضر، داخل علاقة مباشرة لا يمكن اختزالها إلى ملف رقمي أو صورة قابلة للتداول. أما السينما، خصوصًا في صورتها الصناعية المعاصرة، فتعيش داخل منطق النسخ والتكرار والانتشار، حيث تصبح القيمة مرتبطة بسرعة التداول أكثر من عمق التجربة.

لهذا لا يبدو المسرح مجرد فن أقدم من السينما، بل يبدو أقرب إلى جوهر الفن نفسه؛ لأنه يضع الإنسان في مركز العملية الإبداعية، لا كعنصر داخل منظومة إنتاج، بل كحضور حيّ يصنع المعنى لحظة وقوعه. وربما لهذا السبب، كلما تطورت السينما تقنيًا، ازدادت حاجتها إلى استعادة شيء من روح المسرح، لا بوصفه ماضيًا تجاوزه الزمن، بل بوصفه الحالة العضوية الأخيرة للفن قبل أن تبتلعه الآلة بالكامل.

لذلك نجد السينما تتحرك بوصفها جهازًا إنتاجيًا خاضعًا لقرار الرأسمال، حيث تتحول التقنية من أداة فكر بمعياره النوعي إلى سلعة معيارها الكم. وهو ما أشار إليه كارل ماركس Karl Marx مبكرًا إلى أن “الآلة داخل النظام الرأسمالي لا تعمل على تحرير الإنسان، بل على تعميق اغترابه عن عمله ومعناه” من خلال تشكيل الجهد البشري ليخدم دورة الإنتاج التي لا تعترف بالإنسان إلا بوصفه عنصرًا وظيفيًا داخلها. الإشكال إذن ليس في التقنية، بل فيمن يملك حق توجيهها وإعادة تعريف غاياتها، وهو المال وليس الفكر.

ومن هذا الأفق، تتجلى السينما المعاصرة بوصفها آلة رأسمالية بامتياز، وليست ممارسة إبداعية محضة، فهي لا تكتفي بصناعة الصورة، بل تعيد هندسة الذوق والمعنى وفق منطق السرعة، والاستهلاك، وقابلية الانتشار، وتُقاس القيمة بعدد التذاكر لا بعمق التجربة وبراعة الإنسان الذي يعمل في منظومتها. وهنا يصبح تحذير هانا أرندت Hannah Arendt حاسمًا حين أشارت إلى خطر انزلاق الحياة الإنسانية إلى دورة إنتاج واستهلاك مغلقة، تُفرغ الفعل من جوهره وتحوله إلى حركة بلا أثر وجودي.

في المقابل، يقدّم كل من غيلبرت سيموندون Gilbert Simondon ودونا هاراواي Donna Haraway تفكيكًا جذريًا لفكرة الفصل بين الإنسان والآلة؛ فالأول يرى التقنية كوجود يتشكل ويتطور باستمرار، والثانية تكشف انهيار الحدود بين العضوي والاصطناعي داخل شبكات معقدة من التداخل. غير أن هذا الفهم، بدل أن يشرعن هيمنة الآلة، يكشف خطورة تحولها إلى نظام مهيمن على إنتاج المعنى ذاته.

ضمن هذا السياق، بقي المسرح مساحة أصلية للحضور الإنساني المباشر، ومختبرًا أوليًا لتكوين الأداء والخيال والعلاقة الحية مع الجمهور؛ أي المصدر “العضوي” الذي استمدت منه السينما لغتها الأولى قبل أن تنفصل عنه وتناظره وتتعامل معه بندية فنية أو فوقية إنتاجية كما يحدث اليوم.

وهذا الانفصال كبّد الفن خسارة داخل الممارسة الإبداعية نفسها. فالفن التمثيلي في المسرح والسينما بات يتعرض لضغط متزايد من ثقافة (السوشيال ميديا) وهوس الشهرة السريعة، حيث يُستبدل التكوين العميق بالظهور الفوري، وتُختزل المسافة بين الموهبة والانتشار إلى لحظة رقمية عابرة. وفي المقابل، تتراجع الورش الفنية الجادة واستوديوهات التدريب الاحترافية التي كانت تشكل البنية التحتية لصناعة الممثلين والمؤلفين، بينما تتقدم تقنيات الآلة التي تصدر لنا يوميا عشرات بل مئات من أنصاف المواهب على التطبيقات المختلفة وتعززت قدرات الإنتاج كثيرا فأصبحت تستثمر في المشاهير على خشبة المسرح وأمام الكاميرا على حساب المبدعين الناضجين وأصبح التوليد الاصطناعي بديلًا جاهزًا سريعا رخيصا عن الإنسان المبدع.

وهكذا تتآكل صناعة الموهبة بوصفها فعلًا معرفيًا وجماليًا طويل النفس، أمام تضخم مارد المال بوصفه سلطة أعلى من الفكر المعدم، لتُعاد صياغة شروط الإنتاج الفني وتنقض القيم . عند هذه النقطة، لا يعود الخطر تقنيًا فإعادة تعريف الفن ليصبح كمنتج سريع التداول بدل كونه خبرة إنسانية مكثفة.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر حدة: حين تتحول السينما إلى آلة مكتفية بمنطقها الرأسمالي، فإنها لا تهدد علاقتها بالمسرح فقط، بل تهدد مفهوم الفن نفسه، وسيبقى المسرح إرثا ومرجعية وجودية تقاوم الاختزال، وتذكّر بأن الفن ليس إنتاجًا، بل حضورًا؛ وليس سرعة، بل تجربة؛ وليس تداولًا، بل معنى لوعي مستدام وليس سلعة لاستهلاك مؤقت.

كلما اتسعت عين الآلة، ازداد خوف الإنسان من أن يفقد قدرته الأزلية على الرؤية. وبرغم أن السينما تمتلك عينًا قادرة على رؤية العالم كله، إلا أنها ستظل عاجزة عن امتلاك ذلك الوعي الذي يجعل الرؤية إنسانية، تنفذ إلى روح الأشياء لا صورتها فقط. فالآلة مهما تطورت وأتقنت إعادة إنتاج الإنسان، ستظل عاجزة عن أن تكونه.

هنا ستجد أبرز الأفلام التي تحدثت عن المسرح 🙂

0