الدراماتورجيا الجديدة

إن التجربة المسرحية نافذة رحبة لفضاء التغيير المواكب والمبتكر في فنون المسرح، ويعلم المسرحيون أن ما من مدرسة أو أسلوب في صناعة المسرحية إلا وكان ناتجا عن تلك المحاولات الجادة لاكتشاف أعماق الفن الإنساني متأثرا  بظروفه الآنية، لذلك خضت مجال التجربةالمسرحية عندما أسست (مسرح كيف) منذ 2006م و قمت بعدة تجارب وجدَت ما وجدَت من هجوم وتصدي واستهانة في بدايتها لكن الظروف الجيدة خدمت تلك التجارب فيما كان للظروف السيئة دور الحفز الدافعية لمشروعي المسرحي.

ومسرح كيف ينطلق من البحث والتقصي بأسلوب علمي يهدف على صياغة التجربة بشكل (مصنعي) ليحقق من وراء التجربة اكتشافات جديدة في أدوات الصناعة المسرحية من نص وإخراج وتمثيل لذلك يعتمد (مسرح كيف) على  أسلوب الصنعة المسرحية الذي يقترب كثيرا من مهمة (الدراماتورجيا) ولكنها هنا بشكل جديد.

لقد ظهر في عام 1769ميلادية مصطلح جديد أو وظيفة جديدة ضمن وظائف فريق العمل المسرحي وهي (الدراماتورج- dramaturh)وتعرِّف الموسوعة البريطانية الدراما تورجيا بأنها تقنية التأليف الدرامي أو التقديم المسرحي. ويقول الدكتور يونس الوليدي في إحدى مقالاته أن الدراماتورجيا تضع أدوات النص ووسائل الخشبة في خدمة المعاني المتعددة والمتواصلة للنص الدرامي، ويرافق ذلك بحسب تعبير الوليدي ضرورة اختيار تأويل معين أو توجيه العرض وفق هذا التأويل.

وفيما يخص مهارات الدراماتورج فإن الناقد الألماني فرانك راديس يؤكد علىضرورة أن يتمتع الدراماتورج بالصبروالرؤية الفلسفية الواضحة والدراية بفنون المسرح ومذاهبه وأشكاله، لقد تحولت وظيفة الدراماتورج وأصبح لديه مهمة جديدة لأنه أصبح يفكر بصلة الوصل بين ما يقدمه على المسرح وما يتقبله الجمهور لأن المسرح لم يوجد ليكون فقط على خشبة المسرح، ولا يستطيعالدراماتورج أن يقول أنا أستطيع أن آخذمقولة واحدة وأقدمها وإنما يجب عليه أن يسعى إلى توضيح الأفكار المطروحة فيأخذ الأفكار الموجودة في النص ويحاول إسقاط عدة صور أو يضيف على النص صوراً قوية.‏

وفي ورقة عمل بعنوان الدراماتورجيا وانساق التواصل المسرحي قدمها الباحث المسرحي المغربي عبدالمجيدشكبر ذكر أن بريخت – الذي عمل دراماتورجا مع رينها ردت _ جعل الدراماتورجيا تعني الوظيفة الايديولوجية ، بحيث أصبح للدراماتورجيا دور خاص في الإنتاج المسرحي، إذ هو المسئول عن الانتقال من النص إلى العرض وبالتالي ، أصبحت مهمة الإنتاج المسرحي تنقاسها الدراماتورجيا والإخراج . فحين يقوم الإخراج بالإعداد التقني المشهدي scenique للعمل المسرحي تقوم الدراماتورجيا بالإعداد النظري خاصة بناء الحكاية,fable وقد جعل بريشت من الدراماتورج المسئول عن العرض ومنسقه.

وفي كتاب الألماني ليسنق “دراماتورجيا هامبورج” ميز بينDramatiker  مؤلف النصوص المسرحية بالمعنى الذي كان مشهورا ومعروفا قبل ذلك، و Dra Dramaturg  أي الدراماتورج ، ليحيل التطور المفهومي للدراماتورجيا من الأفق المحدود في مجرد التأليف والترجمة والإعداد لتصبحأكثر شمولية وتشير إلى دلالة أوسع وهي بحسب ليسنق (الاستشارة الأدبية)  لأن الدراماتورج أصبح مهتما بخطة العمل المسرحي بدءًا من النص ومخططات السينوغرافيا وكل ما يتعلق بتجهيز العرض حتى وصل الحال إلى ازدواجية المهام لذلك نجد منصب الدراما تروج يجلب

إليه أشخاصا كانوا يمارسون الصحافة (مثل H. J’,HERINC  ) وهناك جمع بين الدراماتورجيا والتأليف (مثل  L.TIECK  ) وهناك من مر منها

نحو الإخراج (مثل OTTOBRAHM).

وهناك تجارب دراماتورجية مهمة على مستوى العالم العربي، حيث يؤكد الدراماتورج عواد علي في ورقة حول (المسرح والممارسة الدراماتورجية) أن منبين هؤلاء المخرجين، في المسرح العربي،تمثيلاً لا حصراً، صلاح القصب، وقاسم محمد، وكاظم النصار (العراق)، والفاضل الجعايبي، ومحمد إدريس (تونس)، وسليمان البسام (الكويت)، وحكيم حرب، ومجدالقصص، ونبيل الخطيب (الأردن). لقد اتخذ هؤلاء المخرجون الخيار الدراماتورجي طريقةً في إبداعهم المسرحي، على الرغم من اختلافهم في التجربة المسرحية منحى وأسلوباً، فالقصب يعتمد على قراءةً تأويليةً تختزل النص، وتعصف به أحياناً.

واجتهد قاسم محمد في إطار التراث والثقافة الشعبية، من خلال صوغ مسرحي يقوم على الطقس الشعبي، وتميز الجعايبي وإدريس بإضفاء جمالية رفيعة على تجاربهما التي تنهل من الواقع موضوعات في غاية الحساسية والجرأة، وأحياناً المسكوت عنها، أو غير المفكُّر فيها، بسبب هامشيتها من وجهة نظر المبدعين التقليديين. وعمد البسام  إلى تشريح أشهر تراجيديات شكسبير (هاملت، ماكبث، ريتشارد الثالث)، وحوّل شخصياتها الكلاسيكية إلى شخصيات منبوذة معاصرة وقد وصفت صحف بريطانية أحد عروضه (وهومؤتمر هاملت) بأنه أجرأ عمل سياسي يفضح الاستبداد والحروب.

لقد تقدَّم الخبراء والباحثين في الكتابة عن الدراماتورجيا كجنس فني مرَّ بأطوار عدَّة نمى من خلالها وكبر، وهذا ما جعل الدراماتورجيا تعيشإشكالية تطور المفهوم والمهام ومن يقوم بها ففي القرن السابع عشر كانت تطلق على المؤلف وفي القرن الثامن عشر أحيلت للمستشار الدرامي أو الأدبي كما قال ليسنق وأصبحت تدل في القرن التاسع عشر على الناقد في فريق العمل و المسئول عن تجهيزه للعرض وترسيخ أيديولوجيته كما فعل بريخت ، وتتوالى التطورات على المصطلح وتتسع دائرة العمل الدراماتورجي ويتزاوج الدرامتورج مع المؤلف أو المخرج لأن الهدف وراء خلق هذا الجنس الفني هو توطيد العلاقة بين النص ومنفذيه لتأطير العمل المسرحي حتى يتسنى للدراماتورج تجهيز هذا العمل المنسجم شكلا ومضمونا كوجبة فنية للمتلقي، وهذا في اعتقادي الشخصي من إفرازات المسرح التجريبي الواعي لضرورة تحقيق دقة مصنعية للعمل المسرحي مع الأخذ في الاعتبار أهمية القبول لدى المتلقي ليؤدي المسرح دوره الفكري والفرجوي في آن معا.

والدراماتورجيا إذ تعتمد على تحقيق اتصالية إبداعية فإنها لا ترتبط كثيرا بالقواعد الكلاسيكية للعمل المسرحي لأن الأصولية الدرامية تصر على شكل مقيد كمنحوتة معقدة و مع تغير العالم والظروف والمعارف وتطور التقنيات الاتصالية وتسارع الوتيرة الحياتية لن تؤتي الثمار مع مجتمع متلقي هذا العصر المختلف تماما عن مجتمعات نشأت فيها هذه القواعد من وجهة نظري لذلك جاء الدراماتورج ليجعل من العرض مواكبا لفكر مشتغليه ومتلقيه فهو رب العمل المسرحي المعاصر.

وعن تجربتي المتواضعة مع الدراماتورجيا فقد قمت بعمل عدة مشاريع (غي فاوست، أسطورة عقيستاء، قصة حديقة الحيوان جباياهوووه والبرمائي ، إن عمل الدراماتورج عمل مرهق ذهنيا وفكريا وفنيا بدأ من النص الذي تصارعه ليصبح أقوى وفريق العمل الذي يقبض على جمر التغيير اليومي وخصوصا الممثل الذي تنحته كجلمود ليشاركك العمل وأنت تتقلب على نار أناس لا يعلموا عن عذاباتك في تحضير عرض ليصل إليهم دون شوائب.

ولي حديث حول هذه التجربة وما سبقها في مقال لاحق حول تجربة مسرح كيف المسرحية. يمارس الدراماتورجيا الجديدة ذلك الشخص أو تلك المجموعة التي تسبر أغوار النص وتكون العرض وتحلق في فضاءاته بالبحث والمعالجة والنقد المسبق المستمر بالتوازي مع صناعة العرض متتبعا لما يصدر عنه من أثر أثناء العروض للاستفادة من الاستنتاجات التي تنبثق من ردود الفعل لدى المتلقي بحيث يكون العمل الدرامتورجي عين عليا على المنتج المسرحي منذ اللحظة الولى في صناعة العمل وحتى آخر لحظات التلقي.

ومسرح اليوم ياسادة يا كرام يعاني من قلة النصوص الجيدة مع كثرة المكتوب المهزوز والمنقوص كما هو حال الإخراج في العالم المسرحي وتاتي سيطرة الهواة على الإنتاج (من وجهة نظري) في ظل ندرة الحركة التثقيفية والعلمية والتجربة الرصينة الجادة في المسرح العربي بشكل عام وفي الخليج على وجه الخصوص وها اناعينة من جيلي وجزء منهم قد دفعني ذلك الضعف في العمل الجاد إلى ممارسة التجربة المسرحية بشكل مرتبط بالبحث العلمي ومستفيد من خطواته للوصول على الصناعة المسرحية.

لقد غازل المخرج المؤلف لقرون وجاء في النهاية ليسطو على دوره  ويميت النص ليتسيد ولم يفلح وجاء السينوغراف اليوم بعد فتنة المخرج به ليسيطر على الدفة الصناعية لإنتاج المسرحية ولكن الصراع لازال قائم ولن يستطيع السينوغراف أن يكون (مسرحية) وإن استطاع إبهارنا بعرض مشهدي لكني أتنبأ بأن الدراماتورج سيعود بشكل بارز وأقوى مما كان عليه قبلا ليلعب كل الأدوار أو على الأقل يشارك فيها وليس شرطا أن يكون الدراماتورج شخص فلربما كان الدور مجزئا لعدة أشخاص لكنه في النهاية يقود الصنعة إلى نتاج خلاق.

في محاولاتي لصناعة المسرحية في مسرح كيف استفدت من مبدأ الممارسة العامة الذي ينتهجه الأخصائيون الاجتماعيون فيالخدمة الاجتماعية فكانت النتيجة دور مؤثر ومهم  فضلت أن أطلق عليه ضمن مسرح كيف “الدراماتورجيا الجديدة” أو “الصنعة المسرحية” وهو عبارة عن ممارسة عامة لكل طرق وادوار الصنعة بدءا من الفكرة وحتى العرض مرورا بالتأليف والتصميم السينوغرافي والتخطيط للميزانسيه بحيث تشدد على مبادئ هامة في أداء الدور لدى صناعة العرض بناء على منطلقات “علمية”لها اثر في تحرر الصنعة للفكاك من قيودها التي لاتتناسب مع ظروفنا ونزعتنا للتمرد في هذا العصر.

فالممارس المسرحي “النيو دراماتورج – New Dramatorg  هو قائد كتيبة البحث التي تصنعالعرض في مسرح كيف معتمدين على مجموعة من المحاور التي عليهم تعاطيها محلقينمن خلال ذلك بأدوات ومعايير لضمان صنعة موفقة تحقق الفرجة الماتعة والرسالة القيمة.  فالنيوراماتورج مزيج من بعض صفات المؤلف والمخرج والناقد والباحث والمعالج والمدرب والمصمم وعليه أن يلم قدر المستطاع بأهم المهارات لهذه الأدوار، ولامان عان يكون فريقا يضم متخصصا يستعان به في دور ليحقق التكامل المصنعي. والهدف الأسمى من هذه الوظيفة الجديدة أو المطورة هو المعراج نحو أفق الابتكار والتجديد والمعاصرة وأن اتهم البعض هذا بالتمرد والخروج عن الناموس المسرحي.

فعندما نلتقط نصا أعجبنا ونبدأ بالتفكير في إنتاجه فإننا نبدأ أولى خطوات صناعته في مفاهيم (مسرح كيف) لكننا لا نحمل منه سوى جوهر نعتصره  بعد فرز وتشذيب وغربلة ليس تقليلا من المكتوب ككل بقدر ماهو تكثيف للنص وصقل جوهره فالمؤلف لايموت في مسرح كيف لكنه لايعدو كونه الشرارة التي تشعل فتيل الصناعة للمسرحية خصوصا وان النصوص الموجودة والمميزة في المسرح لم تكتب لتجارب مسرح كيف  ولو هيئ لك يوما أن تنظر لنص مسرحي ل(كيف) ستجد انك إمام وريقات تحمل زبدة اللعبة المسرحية وروحها الدرامية تعزيزا للكثافة والدهشة والابتكار[1] ولن يتمكن المشتغل على أسلوب الدراماتورجيا الجديدة من إنجاز الدور المتكامل في صناعة العرض إلا باشتراطات ومعايير تسير بنمط إجرائي محدد ( أتوقع انه لن يسلم من التجربة والتصحيح مستقبلا) ومن تلك المعايير ، الاطلاع والإلمام المتسع بمهارات الأدوار الموازية و مثل التأليف والتصميم السينوغرافي والتخطيط الحركي والحيل الإخراجية  فضلا عن الملكة الإبداعيةالتي تلج من أبوب الابتكار وتبحر في دهاليز الاندهاش بالخيال وذلك لتعين “الدراماتورج” صانع المسرحية للوصول إلى مستوى عال ما أمكن من الصنعة التي تعزز النوعية ( الكيف) من كل الجوانب.

ويعتبر توازي السطح مع العمق أمرا مهما في صياغة الدوال او المدلولات حتى يكون العرض منسجما مع كافة أطياف المتلقي الذي نجده فيه المثقف من النخبة والشعبي من العوام، وتكون تلك الصياغة مبنية على البحث الذي يوفق بين السطح والمضامين لإتقان تصميم الرمز وتحريكه ضمن اللعبة الدرامية فليس من الضروري أن يكون بين يديك نص نموذجي خلاب .. بل ستكفيك الفكرة أو قصيد أو حالة مقتبسة لتعيد قراءة النص وتضع قواعد لعبته من جديد .

ومن معايير الممارس ( للدراماتورجا الجديدة) قدرته على تدريب عناصر العمل وخصوصا من يؤدي على الخشبة من ممثلين وعازفين وراقصين وغيرهم متحكما ومراقبا لكل تلك الأدوات معطيا لمن يستحق منها فرصته للمشاركة في تشكيل الأداء واعني هنا من يمتلك  الخبرة والموهبة والنبوغ في مجاله.

وأؤكد هنا..لن يكون أولئك المستجدون في مجال الإخراج أو من تعود على نمطية إخراجية معينة لن يكونوا جاهزون لممارسة هذا الأسلوب لأنه نوعي يتمكن منه عميق و التجربة ومن يستمتعون بالبحث ولديهم خبرة مسرحية علمية كافية وهذا الأسلوب الذي أدعي انه جديد (في عصرنا) سيكون حارسا لحرم المسرح الذي انتهكه المندفعين للإخراج من ضعفاء الخبرة والثقافة والإبداع،، خصوصا انه يعد أسلوبا يحقق الدربة والإثراء لمن يطمع في إجادة عمله ، ومسرح التجربة هو النموذج الوحيد ( من وجهة نظري) الذي سيكون مرد المسرحيين للكشف عن المعاييروالمحددات الجديدة لمسرحهم على مر العصور القادمة.

________________________

[1] في التجارب التي قدمتها  في مسرح كيف واجهت إشكالية مع كثير من المسرحيين الذين طالبوني بنص نموذجي برغم اعجابهم بالعروض التي قدمت مثل مونودراما ظلا ، ومسرحية عميان ومسرحية خطيرين ومسرحية يوم العنادل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *