ظل الفن لعقود طويلة يُنظر إليه بوصفه نشاطًا ثقافيًا يعتمد على الشغف والدعم أكثر من اعتماده على الاستثمار وتحقيق الإيرادات. إلا أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد الإبداعي اليوم وضعت أمامي أسئلة جوهرية “كيف يرى الفنان الاستثمار في فنه؟” “هل يتعامل معه بوصفه فرصة للنمو والاستدامة، أم بوصفه مسارًا قد يؤثر في جوهر العملية الإبداعية؟” إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكشف فقط طبيعة العلاقة بين الفنان والاقتصاد، بل تساعد أيضًا على قياس جاهزية مكونات القطاع الثقافي للانتقال من نموذج يعتمد على الدعم واستنزاف الموارد إلى نموذج يقوم على الاستدامة.
وانطلاقًا من هذه التساؤلات، نشرت استبانة استطلاعية شارك فيها (64) من المهتمين بالفنون المسرحية والإنتاج السينمائي، بهدف استكشاف اتجاهات المبدعين السعوديين نحو الاستثمار في المسرح والسينما، بوصفهما ركيزتين أساسيتين في الصناعات الثقافية والإبداعية. ولا تهدف هذه القراءة إلى عرض الأرقام فحسب، بل إلى تحليل ما تكشفه من مؤشرات حول مستوى الثقة بالقطاع، والجاهزية الاستثمارية، والاتجاهات المستقبلية للممارسين.
أظهرت النتائج أن 79.7% من المشاركين يرون أن الاستثمار في المسرح يمثل فرصة واعدة، وهي نسبة تعكس تحولًا مهمًا في النظرة إلى المسرح بوصفه قطاعًا يمكن أن يسهم في الاقتصاد الإبداعي، وليس مجرد نشاط ثقافي يعتمد على الدعم. ويشير هذا المؤشر إلى تنامي الوعي بإمكانات المسرح الاقتصادية متى ما توفرت نماذج أعمال تحقق الاستدامة.
وفي المقابل، ترتفع الثقة بالسينما إلى 93.8%، وهو ما يجعلها القطاع الأكثر جاذبية للاستثمار في نظر المشاركين. ولا تبدو هذه النتيجة مفاجئة؛ فالسينما تمتلك دورة اقتصادية أكثر اتساعًا، وتستفيد من تعدد منافذ التوزيع، ومرونة إعادة عرض المنتج عبر المنصات الرقمية والأسواق المختلفة، بما يعزز فرص تحقيق العائد المالي. ويشير الفارق بين المسرح والسينما إلى أن المشاركين يدركون تفاوت مستوى النضج الاستثماري بين القطاعين، أكثر من كونه تفضيلًا لأحدهما على حساب الآخر.
وتتضح هذه الرؤية بصورة أكبر عند سؤال المشاركين عن القطاع الذي يفضلون الاستثمار فيه؛ إذ اختار 10.9% المسرح وحده، و25% السينما وحدها، بينما فضّل 64.1% الاستثمار في المسرح والسينما معًا. وهذه النتيجة هي الأكثر دلالة في الاستطلاع؛ لأنها تكشف أن الأغلبية لا تنظر إلى المسرح والسينما بوصفهما قطاعين متنافسين، بل باعتبارهما قطاعين متكاملين. ويعكس ذلك فهمًا متقدمًا للاقتصاد الإبداعي، الذي يقوم على ترابط الصناعات الثقافية وتكاملها، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل، وتوسيع قاعدة الجمهور، وتعزيز استدامة المشاريع.
كما تؤكد النتائج أن القناعة بالاستثمار لا تقتصر على الجانب النظري، بل ترتبط باستعداد مالي حقيقي؛ إذ أبدى 53.1% من المشاركين استعدادهم لاستثمار أكثر من مائة ألف ريال إذا أتيحت لهم الفرصة المناسبة. ويشير ذلك إلى وجود شريحة مؤمنة بالاستثمار الثقافي ومستعدة للمشاركة فيه، وهو ما يجعل التحدي الرئيس مرتبطًا بتوفير مشاريع ذات جدوى اقتصادية ونماذج أعمال قادرة على جذب المستثمرين.
وتكتمل الصورة مع النتيجة التي أظهرت أن 84.8% من المشاركين يرغبون في التعرف على فرص الاستثمار في المسرح والسينما. وتعكس هذه النسبة طلبًا مرتفعًا على المعرفة الاستثمارية، بما يشمل فهم الفرص، وآليات التمويل، وإدارة المشاريع، وبناء الشراكات. ويؤكد ذلك أن تنمية الاستثمار الثقافي لا تعتمد على التمويل وحده، بل تحتاج أيضًا إلى بناء الوعي، ونشر الثقافة الاستثمارية، وتمكين المبدعين من أدوات التخطيط والإدارة.
وتقود هذه المؤشرات مجتمعة إلى نتيجة لافتة؛ فالمبدعون لا يكتفون بالإيمان بجدوى الاستثمار في قطاعهم، بل يتطلعون إلى نموذج أكثر تكاملًا يجمع بين المسرح والسينما ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي. ومع ارتفاع الجاهزية المالية والرغبة في اكتساب المعرفة، تبدو الفرصة مواتية للانتقال من مرحلة الحديث عن الاستثمار الثقافي إلى مرحلة بناء نماذج أعمال مستدامة، قادرة على تحويل الإبداع إلى قيمة ثقافية واقتصادية في آن واحد.
إذا كنت تريد التعرف على فرص استثمارية في المسرح شارك في الاستبيان مشكورا هــنــا
الإحصاءات:
1- هل الاستثمار في المسرح فرصة؟
- 79.7% اتفق
2- الاستثمار في السينما فرصة؟
- أتفق 93.8%
3- أنا أُفضّل الاستثمار في المسرح
- 10.9% المسرح
- 25% السينما
- 46.1% المسرح والسينما
4- لو أتيحت فرصة الاستثمار لي سأستثمر بمبلغ
- أقل من 10 ألاف 17.2%
- أقل من 50 ألف 18.8%
- أقل من 100 ألف 10.9%
- أكثر من 100 ألف 53.1%
5- هل تريد التعرف على فرص الاستثمار في المسرح والسينما
- نعم 84.8%
- لا 15.6%