هيا نفشل !

#علمني_الفشل
يعتبر الفشل في مجتمعنا لفظ قاس والسقوط في فخه أمر مؤلم لكل مندفع خصوصا أولئك الشباب الذين يجتهدون في العمل على إنجاز إبداعهم العصري تحت ضغط ضعف الإمكانات وقلة الدعم وندرة الداعمين واتجاه الإعلام –في أغلب الأحوال – إلى السياسيين والنجوم ومن استحوذ على الاهتمام من الأجيال السابقة.

ولكنه في حقيقة الأمر (الفشل) أمر في غاية التفاؤل لمن يضعه مجرد عتبة جديدة في مسيرته الإبداعية فهناك الكثير من العقبات في طريقه كمبدع وعليه التعامل معها بالأسلوب الذي يجعله في منطقة الأمان داخل دائرة الإنتاج والعطاء ليتميز بدلا من أن يخيب أمله ويحبط.

ولي في ذلك تجربة قاسية لكنها أثمرت ولازلت أسقي الغراس لعلي أصل إلى المبتغى، فقد خضت غمار المسرح منذ سنواتي الأولى في التعليم الثانوي على استحياء وتلا ذلك عملي في مسرح الجامعة وعندما حاولت تأسيس فرقة مسرحية فشلت في الأولى وأخفقت في الثانية ولم أعط فرصة لإكمال محاولتي الثالثة فانتهيت محبطا ولكني عدت بقوة وإصرار بعد أيام من التجهيز والإعداد ورسم رؤية وإعداد لائحة وتصميم مشروعي الجديد وعشت حينها صراعا شحذ همتي فيه تلك المحاولات الفاشلة التي سبقته مصرا على تأسيس فرقتي الخاصة (فرقة كيف للفنون المسرحية)  في المسرح متطلعا لدور ريادي تقوم به كفرقة شابة.

جاءت بعد ذلك مهمة التعامل مع الجهات الرسمية فرحت أتبادل معهم الجدال والنقاش ولم ترهقني البيروقراطية التي ترهلت لأسابيع حتى حصلت على مبتغاي، وبرغم أني نجحت جزئيا في التأسيس الرسمي إلا أني فشلت في إقناع الفريق بالاستمرار ضمن أطر الإستراتيجية التي رسمتها فنسحب من انسحب لعذر أو لإسقاط المشروع لعدم قناعته أو بسبب التطرف ضده ولكن المشروع عاد ونهض بإرادة من سخر له  الله من يقدرها ويحترمها من الفنانين الشباب.

لقد استهجن الزملاء والأصدقاء ومن حولي من الناس والأقارب فكرتي في المشروع المسرحي البحثي لتأسيس مسرح يعتمد على التجربة الجديدة التي تستنتج معاييرا ومحددات لمسرح تتناسب صنعته مع الجمهور في السعودية فراحوا يلمزون ويحقرون الفكرة وأني مازلت أصغر عمرا وتجربة ويكفي أني فاشل سابق فلا حق لي في نظرهم لهذه المهمة او لست مؤهلا لها لما لي من سابق فشل في ما هو أبسط من ذلك.

لقد صنع لي الفشل صورة الضئيل البسيط العادي فلم يحفز الكثير ليعاديني أو يقف في طريقي كما هو حال الآخرين ممن يحاول تقديم مشروعه وسط ضراوة الأعداء والمحاربين لذلك ابتدأت قويا وقفزت بفضل الله من الهامش إلى المتن وتصدرت فجأة الصحف والمجلات والملتقيات وخلال سنواتي الخمس الأولى وجدت نفسي أحمل تجربتي البحثية في المسرح إلى تونس والشارقة ومصر وسوريا وأذربيجان بعد تنقلي على مستوى المملكة بين الرياض والدمام وجدة والطائف هذا بخلاف تواصلي مع عدد من الباحثين والأساتذة والمهتمين من مبدعي المسرح العربي فضلا عن تلك المنظمات التي وقفت باحترام أمام عملي كجامعة الملك عبدالله التي قدمت بها عملين مسرحيين باللغة الإنجليزية وجامعة الملك عبدالعزيز التي نفذت أحد نصوصي المسرحية وشاركت به عربيا ونالت عليه الجوائز ومنظمة الندوة العالمية للشباب الإسلامي التي قدرت جهود مسرح كيف في خدمة المجتمع بالمسرح والهيئة العربية للمسرح التي طبعت أحد نصوص واستضافت تجربة مسرح كيف في ملتقى عربي للدمى وخيال الظل والمسرح الأسود والهيئة الدولية التي رشحتني لجائزة الفكر العربي 2013 وإمارة منطقة مكة المكرمة ومحافظة جدة وأمانة جدة وأمانة الرياض ومركز الأمير محمد بن فهد لتنمية الشباب بالدمام وجمعية المسرحيين وجمعية الثقافة والفنون بالدمام والطائف ووزارة الثقافة والإعلام وغيرها مما أكد حضوري كمسرحي جاد له نتاج نوعي بعدما كنت شابا متحمسا متعصبا يحمل على كتفيه تجارب بسيطة ومحاولات فاشلة.واليوم أنا لا أزال أمام دافع يزيد من رغبتي في التقدم والتميز والنجاح

لم يكن إن للفشل بعد الله فضل كبير في شحذ إصراري، هذه الكلمات ليست مثالية أو مبالغة بل هي الحقيقة، فذلك الشعور لايهزم المبدعه الذي يمتلئ بالفكرة ويؤمن بقدرته ولا تمنعه من اكتساب أدواته التي تعينه على إنجاز حلمه وبلوغ تطلعاته خصوصا ان الفشل يقيس للمبدع مقدار إيمانه بنفسه وبفكرته فإن لم تكن متيقنا من قدرتك فلن يؤمن بها احد.

فكلنا نمتلك أسباب الفشل ولذلك علينا أن نعتبره المحاولة الخطاء المشروعة في مسيرتنا العملية وهذه سنة الحياة ونعززه كسبب لحفزنا لم أكن اعرف معنى هذا الكلام حتى زدت إصرارا ووجدت نتائج إصراري الذي استمد من تلك الطاقة السلبية كل قوة نحو التفاني في العمل على الإنتاج والإنجاز.

كثيرون أولئك المبدعون والرموز الذين نجحوا في تقديم تجاربهم وأفكارهم ومنهم من وجدت الإنسانية فضل إنتاجه لقرون فقط لأنه استشعر دوره وإصراره وقوته وأحقيته ليقف بين صفحات التاريخ شامخا وكلما كان الحال قاسيا كانت الإرادة أقوى والإنجاز أعظم وإن لم تؤمن بالقدماء فخذ لك من المعاصرين قدوة فلابد ان تجد فاشلا مقهورا بصارع الظروف ويقف بعدها قويا شديدا.

أذكر في بدايتي بمسرح الجامعة في جدة وعندما كنت أحاول تعلم التمثيل على يد أستاذي المخرج الأكاديمي محمد الجفري المتميز حقا وقد خرَّج جيلا آنذاك ولازال ، قال لي احد السابقين لي في المسرح ” ياياسر .. لا علاقة لك بالتمثيل.. أنت لا تنفع للمسرح .. ابحث عن عمل آخر تقوم به” كانت كلماته من أقسى ما وقع على قلبي وهتك رغبتي العامة وحماسي لكنه اليوم (نفس الشخص) يعتز بتجربتي المسرحية ويفخر بها ويسعى لخوضها في فرقتي.

وعندما بدأت محاولتي الأولى في الكتابة عرضت نصا لي على أحد من تميز من الرفاق المؤلفين فقال “هذا جنون” وما أن تبسمت معجبا حتى صدمني مكملا ” جنون أن تكتب .. لا تكتب أرجوك فأنت لست مؤهلا لهذا الطريق الصعب والمعقد ” وهو من جعلني أعود أدراجي لا تعلم أكثر وأتخصص في قسم اللغة العربية وآدابها بدلا من قسم الإعلام الذي كاد يلتهمني.

لم يقتصر هذا الأمر  على البدايات فقد واجهت موقفا في ذروة نجاحي الأول في باكورة تجاربي في مسرح كيف عندما كرمت أحدهم كمستشار للفرقة فقابلني بقوله “أنت بقعة سوداء في المسرح السعودي” وهو اليوم من يعتز بتواجدي في كل عرض يشرف عليه ويسابق الآخرين على مصافحتي مقدرا حضوري وشاكرا لي وطالبا لرأيي .

ومؤخرا بعد بزوغ نجم مسرح كيف وشروق تجربتي المسرحي على مستوى أوسع قال لي احد المسئولين في جمعية الثقافة والفنون إبان تكريمي من قبل أحد المناسبات “عملك سخيف وجهدك غبي فلا تقف في غير مكانك” مشيرا لعدم جدارتي لما يكتب عني في الصحف وما أستعرضه من تجارب تستند على البحث العلمي في المسرح.

كل أولئك على مدى عشر سنوات تقريبا او تزيد كانوا مفاتيح للفشل والإحباط وأسوارا للتوقف لكن إصراري وعنادي بموازاة تعلمي واستزادتي لأتسلح بالعلم والمعرفة وتجارب السابقين كان بسببهم فلهم يعود الفضل في اكتشافي لثغرات عملي وهم مرآة تكشف لي عيوبي ونقصي الذي يجب أن أكمله بلا من المكابرة عليه فدفعوني دون علمهم إلى العمل على عكس أحكامهم وتعزيز قدراتي وأدواتي لأكون جديرا حتى بكتابة هذا المقال وأنا من كان اسمي لا يكتب  سوى في عمود المحرر اعتذارا على عدم نشر ما خطه قلمي.

إن الفشل أيها القارئ العزيز وقود الناجحين وباب إلى مساحات أرحب ونافذة إلى فضاء مشرق لعطاء أعمق، الفشل يا أصدقائي ماضي الناجحين وعثرة الطامحين.. ولو كان الفشل إنسانا لقبلت رأسه .. إنها دعوة إلى الفشلـ لنقف موقفا نستحقه.. فهيا نفشل.

+ نشرت بعنوان ( لوكان الفشل إنسانا لقبلت رأسه ) في مجلة المعرفة العدد   223      2013-10- 09     4 /12 /1434

ياسر مدخلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *