الارهاب الوظيفي !

الإرهاب الوظيفي !

للإرهاب وجوه عدَّة وأشكال قد تختلف في ملامحها إلا أنها تتشابه في نَفَسِها الخبيث وجوهرها المتآكل، ويستعين أولئك الممارسون لهذه الأشكال بأدوات مختلفة يسخرونها لإرهاب من يستهدفونهم.
وبرغم أن الإرهاب السياسي والديني والعرقي من أشهر أنواع الإرهاب في العالم إلا أني أجزم بأن الأكثر انتشارا هو الارهاب الأسري والإرهاب الوظيفي، لا سيما وأنها (منطقيا) من الأنواع التي تُمارس في الخفاء ولا توجد عليها رقابة كافية بل والمؤلم أنها سبب رئيس في تأهيل الفرد ليكون جاهزا للانخراط في الأنواع الشهيرة ، كما نلحظ من خلال استقراء الأحداث اليومية، فالموظف الفاقد لكرامته والذي يصل لمراحل الإحباط والسلبية التي تصادر منه طموحه و تطلعاته يجد نفسه قد خسر كل شيء، بل ويتعدى ذلك إلى بعض الأمراض السيكولوجية التي تصل إلى تبنيه أفكارا تدفعه للانتقام من المجتمع لأنه يعتقده نسخة طبق الأصل من مجتمع عمله.
وإن كان الإرهاب الأسري يظهر بشكل أوضح من خلال سلوك الطفل والمراهق، ويسهل اكتشافه في الجهات التي يكون فيها المرء فعالا و نشطاً، وأصبح الوعي به منتشرا نسبيا تحت عدة مفاهيم مثل ( العنف الأسري ، حقوق المرأة ، حقوق الطفل) وله عدة  منظمات تهتم بمتابعته و علاجه وأيضا الوقاية منه..
لكن الإرهاب الوظيفي للأسف نوع من أعنف الممارسات وأقذرها وأكثرها تهشيما للإنتاج العام؛ فهو مخلب شبق يدس سمومه في ذهنية الإنسان ليرهقه جسديا و نفسيا مما يجعله تحت تأثير ضاغط يدمر قواه ويغتال مهاراته وينال من قوامه النفسي ما يجعل منه عنصرا سلبيا في إدارته، فبدلا من دور البناء الذي يتوقعه المرؤوسين من قياداتهم إلا أنهم يجدون أنفسهم مشاركين مكرهين في دفع عجلة الهدم خوفا من سوط السلطة والصلاحية الذي يرفعه الرئيس؛ حيث ينتهج بعض الرؤساء في مقار العمل أساليب منظمة يستغلوا من خلالها جهل مرؤوسيهم بالأنظمة واللوائح ويتم تجنيدهم بشكل أو بآخر لإنجاز مهام تصب في تحقيق مصالح شخصية.
بل ويصل الحال إلى تطبيق عقوبات مخالفة للأنظمة تصل إلى حجز الراتب أو الفصل التعسفي أو الحرمان من امتيازات الموظف العام كالإنتدابات وخارج الدوام من خلال تجاهل تكليفه بها، وكذلك إصدار تعاميم لقرارات مخالفة للأنظمة لتطبيقها ويصل الأمر إلى تضليل قيادات عليا ليقوموا بفرض التجاوزات وكأنها ضرب من العمل القانوني، ولنا أن نتخيل استمرار بعض التجاوزات لأعوام ، مما يعزز الخطأ ليصبح عُرفا تتناقله الأجيال ومتى استيقظ موظف (مطلع) على الأنظمة يتفاجأ بسيل عرم من الاتهامات يحيله مجرما خارجا عن القانون متجاوزا للأنظمة، بل يواجه بتفسير مغلوط للأنظمة ومعاقبته وتهديده بشكل يضعه أمام مواجهة غير متكافئة مع (إرهابيين) من نوع جبان لا يستطيع الاعتماد على نفسه وليس لديه سوى رصيد مغْبرّ من العناد والأمان من العقاب و عندما يصرّ الفرد على تطبيق الأنظمة تكون الحرب على هذا الإرهاب ثمنها المستقبل.. ونظرا لتمسكه بالأنظمة يجد الطريق إلى العدالة طويلا.
إن الإرهاب الوظيفي لا يفترس الموظف فقط ، بل تتعدد فرائسه التي ينهش فيها ويهلكها فممارسة هذا النوع تنشر ثقافة التجاوز بشكل منظم وتوهم الجميع بمشروعيته ، وهنا يتم تهميش الأنظمة ويتحول العمل إلى مزاجية تنتهك من خلالها حقوق الإنسان جمعاء مثل إساءة التعامل و الحط من الكرامة وتقييد الحرية ويصبح رقيقا تابعا لرئيسه خوفا و إذعانا، ويفقد الثقة في القانون ويتحول ولاءه للمدير بدلا من المؤسسة أو الجهاز.
كذلك نجد فريسة أخرى وهي (التنمية) التي تتعطل تلقائيا باستنساخ الأجيال ليصبح العقل الجمعي في المنظومة متوقفا عند فكر المسؤول وأتباعه الوارثين للإدارة من ضحاياه، فيصبح التطور والإصلاح مجرد شعارات يتم استغلالها بذات الطريقة لتحقيق المصالح الخاصة .. وتعددت الأسماء والإرهاب واحد .
ضحية أخرى أكثر إيلاما وهي تقوية هذا الفساد وتحسينه باسم التقنية و مواكبة التطور،  فتأتي البرامج والآليات التكنولوجية ليتم تجنيدها لصالح نفس الأهداف مستغلين الدعم السخي من الدولة التي توجه بتوفير سبل التطور و إمكاناته للأجهزة الحكومية فيبدأ الإرهابي الخائن للوطن بانتهاز الفرصة ليكون له السبق في امتلاك تقنية تزيده قوة و ضراوة.
لست هنا لأقول كلاما مبالغا فيه فخبرتي المتواضعة في البحث الاجتماعي وإلمامي الأكاديمي والعملي بقضايا الدفاع الاجتماعي وجدت بين ناظري وسمعي ما هو بالخطورة الكافية لتدمير الإنسان وإحباطه وجعل الكفاءات تقف في مؤخرة الركب وتخصص الصدارة و المقدمة لمن هم على عهد الولاء مع المسئول الفاسد من الجبناء والضعفاء المغلوب على أمرهم.
وأكبر الدلائل على انتشار هذا الارهاب مانراه في ردهات المحاكم الإدارية التي تنظر في التجاوزات التي تطال الموظف من الجهاز التابع له، وحتى المواطن الذي يتحرى الخدمة التي تفي بحاجاته وضروراته من هذه الأجهزة التي نجدها قد أصبحت بمثابة ملكا خاصا للبعض.
ومما يبعث التفاؤل في بلادنا أنها برغم ضربات الإرهاب السياسي والمذهبي وكذلك الوظيفي.. فهي ثابتة شامخة تنادي بتنمية الإنسان والاستثمار فيه وقد أسست لكل ذلك كيانات مدعمة بالكوادر و الدعم المالي الكافي لتواجه أعداء التنمية وتقي المجتمع ومقدراته وإنسانه من أخطار الخونة.. ولكننا في الحقيقة بحاجة لرفع وعي الموظف في أجهزة الدولة بأهمية تطبيق الإرادة الملكية الكريمة التي شرَّعت الأنظمة وسنت القوانين ليس من باب المواطنة فحسب، بل من باب الدين أيضا والضمير الإنساني الذي يؤهل كل منا ليكون ذا دور إيجابي في عمارة هذه الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *