تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ياسر مدخلي

الابتكار في الديودراما

معادلة «2+X» في قالب الكوميديا الارتجالية التفاعلية

وفق منهج مسرح كيف

الملخص

تقدم هذه الورقة (الكوميديا الارتجالية التفاعلية) بوصفها نموذجا للابتكار في الديودراما وباعتبارها تجربة  نجحت في الوصول إلى تشكيل  جمهور أوسع للمسرح الثنائي، من دون التفريط في بنائها المسرحي. وتنطلق من معادلة «2+X» التي تبلورت داخل تجربة «مسرح كيف»: ممثلان يحملان السياق الدرامي، وجمهور متغير يتداخل مع العرض عبر مناطق مشاركة محددة. وتقرأ الورقة الانتقال من «البرمائي» عام 2011 إلى «صادق النمك» عام 2023 في سلسلة تجارب منهجية اعتمدت على السؤال والتصميم والملاحظة والتعديل. وأدعو من خلالها إلى الابتكار الجريء والمدروس واختبار أفكار جديدة قابلة للتدريب والتوثيق والتطوير وتأصيل العلاقة بين التجديد والمتعة ومشاركة الجمهور.

الاستهلال

السيدات والسادة الزميلات الزملاء الأساتذة والمواهب الصاعدة في مسرح التاريخ والأمل، ضيوف مهرجان الديودراما الثاني في باحة الفن والجمال؛ أسعد الله مساءكم، وأشكر جمعية المسرح والفنون الادائية على هذه المساحة الفكرية التي تجعل المسرح الثنائي موضوعًا للتأمل ومادة للتجربة.

يفتتح بيتر بروك كتابه «الفضاء الخالي» بقوله: «أستطيع أن آخذ أي فضاء فارغ وأسميه خشبة ولقيام فعل مسرحي عليها؛ ويكفي أن يعبره شخص فيما يراقبه آخر » [1، ص 9].

هذه العبارة البسيطة تعيد المسرح إلى أصله: مؤدٍ، ومتفرج، وعلاقة حية بينهما. لكن ماذا يحدث إذا لم يكتف المتفرج بالمراقبة، وأصبح قادرًا على دفع الحدث في اتجاه لم يكن مكتوبًا؟

في إحدى ليالي «صادق النمك» كان على الخشبة ممثلان. انتقل الميكروفون إلى أحد الحاضرين، فطرح سؤالًا مفاجئًا. راوغ الممثل الأول صادق النمك، وتدخل الممثل الثاني عارف يدري، وانكشف تناقض جديد في الشخصية. ومفارقة درامية فضحك الجمهور، لا لأنه تلقى نكتة جاهزة، بل لأنه شاهد موقفًا ولد في اللحظة نفسها، وكان أحد أفراده سببًا مباشرًا في تشكيله.

لم نضف شخصية ثالثة، لكننا أضفنا مصدرًا ثالثًا للفعل. ومن هنا جاءت المعادلة: «2+X»

لماذا نبتكر في الديودراما؟

الديودراما فن الاقتصاد والتركيز: شخصيتان تحملان الصراع والتحول والإيقاع. وحين يقل عدد الممثلين، لا تقل المسؤولية؛ بل يصبح كل صمت ونظرة وانتقال ذا وزن دراماتورجي أكبر.

لقد أختبرت الديودراما عبر تجارب منهجية مختلفة منذ بدايات مسرح كيف ابتداء بـ «عزف اليمام» و«التاج بين أوديب وهاملت» و«الفاني» أو «رقصة الموت» و«الإنسان والآخر»، فتعلمت من الديودراما أهمية التكثيف وقيمة التركيز، لكنني لاحظت أيضًا أن الديودراما ظلت تُمارس داخل إطار مهرجاني أو فلسفي شديد الانغلاق على الشكل التقليدي حتى مع العروض الملحمية التي كسرت الجدار الرابع ولم تكسر جدار الصمت بين الجمهور أو الأشكال التفاعلية التي جعلت التفاعل يلغي الدراما. 

مشكلة الديودراما ليست في العمق، ولا في الرقم «2» بل الإشكال – من وجهة نظر الباحث في مسرح كيف- أن الجمهور خارج بنية العرض يتأثر بما يحدث، لكنه لا يستطيع أن يُحدث أثرًا معلنًا يمكن للممثل أن يبني عليه.

ونحن في عالم أصبح المشاهد، المتلقي، الجمهور، المتابع “بمختلف الأوصاف “فاعلا وحاضرا ومؤثرا بالمشاركة والتعليق والإعجاب والنقد في جميع الوسائط. 

نحن أمام جمهور بعادات جديدة.. ومهمة مسرح كيف البحث عن مسرح متجدد يواكب جمهوره..

يقول غروتوفسكي: «يمكن تعريف المسرح بأنه ما يحدث بين المتفرج والممثل» [2، ص 32]. 

ويرى بيتر بروك أن الشكل المسرحي لا يبقى حيًا ما لم يُعَد تصوره [1، ص 16].

هاتان العبارتان تضعان مسؤولية التجديد أمامنا. احترام الشكل لا يعني تجميده، وحماية التراث المسرحي لا تعني تحويله إلى قطعة متحفية. التجديد الحقيقي لا يهدم الديودراما؛ بل يسأل كيف تبقى ثنائيتها قوية وتصبح علاقتها بالجمهور أكثر حياة.

لذلك تصوغ التجربة سؤالها على النحو الآتي: هل يمكن إدخال الجمهور بوصفه عنصرا في الديودراما، مع بقاء الصراع والخاتمة والسياقات الدرامية في عهدة ممثلين اثنين؟

وللإجابة لا أعتمد وصفًا انطباعيًا لعرض ناجح، بل من خلال البحث: قمت بتجربة أولى، ثم ملاحظة رد الفعل، ثم تعديل العناصر، ثم إعادة الاختبار في فضاء وجمهور مختلفين. المادة هنا ليست النص وحده؛ بل التسجيلات، والمداخلات، والإيقاع، وتعثرات العودة، والمراجعات النقدية، وما تكشفه كل ليلة عن الليلة السابقة.

ولهذا لا أقدم «2+X» بوصفها أسبقية مطلقة في تاريخ المسرح التفاعلي؛ فلهذا المسرح أنساب وتجارب كثيرة. أقدّمها بوصفها ابتكارًا تطبيقيًا تبلور داخل منهج «مسرح كيف»: جمع الديودراما، والارتجال، والكوميديا، ومشاركة الجمهور في نظام واحد قابل للوصف والتدريب والاختبار.

الابتكار وفق منهج «مسرح كيف»

منذ تأسيس «مسرح كيف» عام 2006، لم نفهم التجريب بوصفه غرابة شكلية أو محاولة تنتظر النتائج التي تحدث بالصدفة، ولم نفهم أن الارتجال عفوية اعتباطية. بل فهمنا أن التجربة عمل منظم ينتج معرفة من داخل العرض.

يمكن تبسيط منهج «مسرح كيف» في خمس كلمات: سؤال، تصميم، تجربة، ملاحظة، تعديل.

نبدأ بسؤال محدد، ثم نصمم له حلًا مسرحيًا. نختبر الحل أمام جمهور حقيقي، ونلاحظ أثره في الإيقاع والشخصيات والمتفرجين، ثم نعدله ونختبره مرة أخرى. بذلك لا يكون العرض نتيجة نهائية، بل نسخة قابلة للتجدد.

يقوم هذا المنهج على ثلاث مناطق: منطقة العرض التي يعمل فيها الممثلان، ومنطقة الجمهور التي تتولد فيها الاستجابات، ومنطقة التجربة التي يلتقي فيها الطرفان ويتبادلان المهام. وهذه المنطقة الثالثة هي مختبر «مسرح كيف»: فيها يتحول السؤال أو الضحك أو الصمت من رد فعل عابر إلى مادة بحثية وفرصة دراماتورجية.

لذلك ساعدني منهج التجربة في «مسرح كيف» علي تحويل العلاقة مع الجمهور من حقيقة ملازمة لكل عرض حي إلى مادة لتصميم القالب المبتكر: نحدد دورا للممثل ومهمة للجمهور، وما الذي يجوز للمداخل أن يغيره، وندرب الممثل على الاستجابة والخروج والعودة وكيف نرصد النتيجة ثم نعيد بناء العرض.

تقول فيولا سبولين (أم الارتجال المسرحي الحديث): «الجميع يستطيعون التمثيل. الجميع يستطيعون الارتجال. وكل من يرغب يستطيع أن يلعب في المسرح ويتعلم كيف يصبح أهلًا للخشبة» [3، ص 3]. 

هذا لا يعني أن التدريب غير ضروري؛ بل تعني أن الابتكار ليس امتيازًا حصريا لأحد. الموهبة تفتح الباب، لكن المنهج والتدريب هما ما يسمحان للفنان بالاستمرار بشكل سليم.

وتضع سبولين الجمهور في أعلى موضع داخل التجربة المسرحية [3، ص 12]. 

ويعني توقيره ألا نحوله إلى مادة للإحراج أو السخرية، وألا نفرض عليه المشاركة، وأن نقدم تجربة مكتملة أيضًا لمن اختار المشاهدة والصمت.

ولهذا أدعو المسرحيين إلى الجرأة في التجربة، ولكن جرأة لها خطة. الفكرة الجديدة لا تكتمل لأنها أعجبت صاحبها؛ بل تصبح تجربة حين يكون لها منهج ويمكن وصفها، وتدريب الآخرين عليها، واختبار نتائجها.

من «البرمائي» إلى «صادق النمك»

بدأ النموذج الأولي عام 2011 في إعداد رواية «أبو شلاخ البرمائي» لغازي القصيبي. اخترت استديو إذاعيًا يجمع مذيعًا بضيف بارع في الادعاء والكذب؛ لأن هذا الإطار منح الجمهور مهمة واضحة:  مهمة المتصل على الهواء مباشرة.

كان الحاضر يسأل من مقعده، فيستقبل الممثلان السؤال، ثم يعودان إلى السياق الدرامي. وقد وثقت جريدة «المدينة» مداخلات الجمهور والطابع التفاعلي للعرض [10]. علّمتنا التجربة أن المشاركة تنجح حين يَفهم المتفرج مهمته، وحين تكون الدعوة للتفاعل جزءًا من العالم الدرامي، وحين يعرف الممثل كيف يفتح النافذة ويغلقها.

بعد اثني عشر عامًا تطورت الفكرة في «صادق النمك». قُدم العرض لثلاثة أشهر في جدة عام 2023، فأصبح التكرار مختبرًا: نراجع النص، ونقارن المداخلات، وندرب الممثلين على الإنصات والاستجابة والعودة إلى السياق. لم تعد مشاركة الجمهور مفاجأة لطيفة؛ بل أصبحت عنصرًا له وظيفة وحدود داخل تصميم التجربة.

ثم انتقل العرض إلى مسرح الطليعة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. ووثقت «الشرق الأوسط» مشاركة الجمهور المباشرة في صنع العرض [11]. هناك اختبرنا قابلية القالب للسفر والتعامل مع جنسيات مختلفة في عرضين حضره الجمهور ومسرحيين محترفين واكاديميين وكان لنا بمثابة اعتراف بتجاوز القالب منطقة الاختبار إلى منطقة القالب الناضج بعد 12 عام من المحاولة التطبيق والدراسة، واكتشفنا أيضًا يعض الاشتراطات في هندسة للصوت ووضوح الرؤية و عدد المقاعد وتقسيمها ، وان خفة ظل الممثل وحدها لاتكفي.

وهكذا انتقلنا من حدس تفاعلي في «البرمائي» إلى تصميم تفاعلي في «صادق النمك». وهذه هي قيمة العمل المنهجي: ألا نكرر النجاح، بل نفهم لماذا نجح، وأين تعثر، وكيف يمكن تطويره.

المعادلة

يمكن اختصار القالب الكوميديا الارتجالية التفاعلية في المعادلة:  2 + 3  ≠  X

إن الثنائية الدرامية الثابتة: شخصيتان، هدفان، صراع، محطات، وخاتمة. أما «X» فليست شخصية ثالثة، بل عنصر أدائي متغير يأتي من الجمهور في صورة سؤال أو اعتراض أو اقتراح. يتغير داخل العرض ويتطور من ليلة إلى أخرى، لكنه لا ينتزع مسؤولية الحكاية ولايسلب من الممثلين التحكم بالسياق الدرامي.

يقول أوغستو بوال عن «المتفرج-الممثل» إن المتفرج «لا يفوض الشخصية كي تفعل أو تفكر مكانه؛ بل يتولى بنفسه الدور الرئيس» [5، ص 122]. 

في نموذجنا يأخذ الجمهور وكالة أدائية، لكنها مؤقتة ومحددة: يدخل ليختبر الشخصية أو يربكها أو يكشف تناقضها، وتبقى سلطة التمثيل في حيازة الثنائي.

ولكي لا تتحول المشاركة إلى فوضى، تحتاج المعادلة إلى خمسة عناصر واضحة:

أولًا: النص: سياق درامي ثابت. لا نرتجل بالصدفة ونترك فراغًا ونطلب من الجمهور تعبئته؛ بل نبني شخصيتين وصراعًا ومحطات للخروج  والعودة ونهاية محكمة.

ثانيًا: المشاركة: مهمة واضحة حيث يعرف المتفرج من يكون حين يتكلم: متصلًا، أو شاهدًا، أو صحفيًا، طبيب أو عضو لجنة. فالدعوة الواضحة تخفض الخوف وتكفل حق الاختيار.

ثالثًا: المداخلة: نوافذ تفاعل محددة. نعرف أين تبدأ المشاركة، وما المطلوب، وما سقف تأثيرها، ومتى تنتهي. وقد تتكرر كل خمس دقائق مثلا بحسب طبيعة العرض.

رابعًا: السياق: بروتوكول استجابة واستئناف. يصغي الممثل، ويثبت ما سمعه، ويوظفه داخل الشخصية، ويصعده كوميديًا، ويربطه بالصراع، ثم يستأنف إلى النص المتفق عليه.

 يقول كيث جونستون: «من يقول نعم يكافأ بالمغامرات التي يخوضها، ومن يقول لا يكافأ بالأمان الذي يناله» [6، ص 92]. 

خامسًا: التقويم: التحليل بعد العرض. نسجل مدة المداخلات، ونوعها، وزمن العودة إلى المسار، وأثرها في الإيقاع. هنا تتحول كل ليلة إلى مختبر، وليست مجرد عرض انتهي بالتصفيق.

فرصة ذهبية

أصف هذا القالب الكوميديا الارتجالية التفاعلية بأنه فرصة للوصول إلى جمهور أكبر، وعروض متجددة، ومعمل إبداعي ممتع.

يقول بريخت: «منذ البداية كان عمل المسرح أن يمتع الناس… ولا يحتاج إلى جواز مرور سوى المتعة، لكنه لا بد أن يمتلكها» [4، ص 180]. 

إذا المتعة هنا ليست تنازلًا عن القيمة، بل بوابة إليها. والكوميديا قادرة على خفض رهبة المسرح، وجعل المتفرج يدخل العالم الدرامي حتى لا يشعر بأنه أمام محاضرة أو عرض يجعل عبء التواصل عليه.

تجمع الكوميديا الارتجالية التفاعلية خمس مزايا جماهيرية:

أولًا: تقدم مدخلًا سهلًا؛ فالمتفرج لا يحتاج إلى معرفة مسبقة بالديودراما كي يضحك ويفهم دوره.

ثانيًا: تمنحه أثرًا حقيقيًا؛ فيشعر أن وجوده غيّر هذه الليلة، وأن العرض لن يتكرر بالطريقة نفسها غدًا.

ثالثًا: تصنع حدثًا حيًا وحقيقي؛ لأن المفاجأة والارتجال والتفاعل تحدث آنية وبمشاركة الجميع.

رابعًا: تمنح العرض قابلية للتجدد والتكرار؛ فثبات السياق مع التغييرات التي يطرحها الجمهور «X» يسمحان بعودة الجمهور لنفس التجربة لمشاهدة نسخة جديدة ليست مطابقة للعرض السابق.

خامسًا: تستفيد من اقتصاد الديودراما؛ فعدد الممثلين محدود، والقالب قابل للانتقال بين فضاءات مختلفة، مع بقاء الحاجة إلى إنتاج محترف للصوت والرؤية وإدارة الجمهور.

لهذا تستطيع الديودراما أن تتحول بالابتكار من عرض صغير العدد في مناسبات محددة إلى عرض واسع الأثر يمكن تقديمه في كل مكان. 

الجماهيرية لا تتطلب دائمًا مضاعفة عدد الممثلين والمبالغة في الديكورات؛ أحيانًا تبدأ من مضاعفة قيمة المتفرج داخل الحدث.

فإذا كان للممثل امتياز السياق الدرامي، فالجمهور يملك حق التأثير، والمنهج يضبط الأدوار بينهما.

قد يكون على الخشبة ممثلان فقط، لكن الكوميديا الارتجالية التفاعلية تفتح أمامهما جمهورًا أوسع، وتجربة متجددة، ومستقبلًا يستحق المغامرة.

غيّروا، ولكن بمنهج

 في الختام: رسالتي إلى المسرحيين الشباب: ابتكروا مسرحا يشبهكم، ويواكب جيلكم ومعطياته، ويستفيد من المتغيرات ويتكيف مع المتاح.. لا تنتظروا الإذن كي تبتكروا، ولا تنتظروا اكتمال الإمكانات، ووفرة الدعم، ولا تسموا كل خروج عن المألوف ابتكارًا. الجدة وحدها لا تكفي؛ لا بد من رؤية، وتدريب، واختبار، وقياس، وقدرة على التعديل من خلال منهجية واضحة تمنح عملكم سمة الوعي وأدوات البحث ليرقى إلى مستوى التجربة المسرحية.

ابدؤوا بسؤال صغير: ما المشكلة التي نريد حلها في علاقة العرض بالجمهور؟ أو علاقة عناصر العرض ببعضهم البعض! صمموا نموذجًا أوليًا، وجربوه في مساحة آمنة، لا تخشوا النتائج، وسجلوا ما حدث، واستمعوا إلى الممثلين واهتموا برأي الجمهور، ثم غيروا. وإذا فشل الاختبار، فلا تخفوا الفشل؛ فهو نتيجة مهمة تعطي بيانات صادقة، وثمينة.

لا تستنسخوا «صادق النمك» أو الاستديو الإذاعي. ابتكروا من بيئاتكم: مجلسًا، أو محكمة، أو فصلًا، أو عيادة، أو منصة رقمية، أو طقسًا شعبيًا. عيادة نفسية، أو ملعب تنس كما فعل أحد المتدربين في معسكر شغف الأول.. المهم أن يكون دور الجمهور مفهومًا، وأن تبقى الحبكة قادرة على استيعاب المشاركة والارتجال .

غيّروا المسرح، نعم؛ لكن غيّروه كما يعمل المسرحي الواعي: بخيال جريء، وعين ثاقبة، وعقل يوثق ويحلل، وشجاعة تنتج شكلا جديدا.

وأقترح على مهرجان الديودراما ان يكون فرصة للابتكار بدلا من التكرار.. ويمكن المواهب من العمل على نصوص الديودراما المهمة في المسرح السعودي من خلال مسار مختبر الديودراما ومسار لتدريب الممثل على أدواته، ومسار للتأليف الأصيل  وإعداد النصوص.

هامش: بيان الأصالة وموضع الابتكار

تقدم هذه الورقة معادلة «2+X» بوصفها صياغة مفاهيمية وتشغيلية ابتكرها الباحث وطوّرها داخل تجربة «مسرح كيف»، لتأسيس قالب «الكوميديا الارتجالية التفاعلية» ضمن بنية الديودراما.

ولا تتأسس أصالة هذا الابتكار على ادعاء استحداث الارتجال أو مشاركة الجمهور أو المسرح التفاعلي بوصفها عناصر منفردة؛ بل تتجسد في إعادة هندسة هذه العناصر ودمجها داخل نظام دراماتورجي متكامل، يتكون من سياق درامي مكتوب، وثنائية أدائية ثابتة، ونوافذ تفاعل محددة الوظيفة، وبروتوكول لاستيعاب مدخلات الجمهور واستعادة مسار العرض، وآلية تقويم تحول كل ليلة مسرحية إلى معرفة قابلة للتطوير.

وقد تجاوز القالب مرحلة التصور النظري إلى التحقق التطبيقي؛ إذ نجح تقديمه أمام جماهير مختلفة في جدة والرياض والقاهرة، بما أثبت قدرته على الانتقال بين فضاءات وثقافات مسرحية متعددة، مع احتفاظه ببنيته وفاعليته التفاعلية. كما سُجل القالب رسميًا بوصفه ملكية فكرية، توثيقًا لأصالته وحفظًا لحقوقه المنهجية والتطبيقية.

وبذلك لا تمثل معادلة «2+X» مجرد وصف لتجربة عرض، وإنما نموذجًا مسرحيًا أصيلًا ومختبرًا، واضح المكونات، قابلًا للتدريب والتوثيق والاختبار والنقل إلى تجارب أخرى؛ وهو ما يحدد موضع ابتكاره في تطوير الديودراما وتوسيع إمكاناتها الجماهيرية.

ورقة عمل   |   الندوة الفكرية في مهرجان الديودراما  2 الباحة 28 أغسطس 2026

المراجع

1. Brook, Peter. The Empty Space: A Book About the Theatre: Deadly, Holy, Rough, Immediate. Simon & Schuster, 1996, pp. 9, 16.

2. Grotowski, Jerzy. Towards a Poor Theatre. Edited by Eugenio Barba. Methuen, 1968, p. 32.

3. Spolin, Viola. Improvisation for the Theater: A Handbook of Teaching and Directing Techniques. 3rd ed., Northwestern University Press, 1999, pp. 3, 12.

4. Brecht, Bertolt. «A Short Organum for the Theatre». In Brecht on Theatre: The Development of an Aesthetic. Edited and translated by John Willett. Methuen, 1964, pp. 179–205, quote p. 180.

5. Boal, Augusto. Theatre of the Oppressed. Translated by Charles A. McBride and Maria-Odilia Leal McBride. Pluto Press, 2000, p. 122. المصدر

6. Johnstone, Keith. Impro: Improvisation and the Theatre. Routledge, 2012, p. 92. المصدر

7. Fischer-Lichte, Erika. The Transformative Power of Performance: A New Aesthetics. Translated by Saskya Iris Jain. Routledge, 2008, pp. 38–74. 

8. White, Gareth. Audience Participation in Theatre: Aesthetics of the Invitation. Palgrave Macmillan, 2013. 

9. مدخلي، ياسر بن يحيى. الكوميديا الارتجالية التفاعلية: قالب مسرحي من ابتكار ياسر بن يحيى مدخلي. ملف توثيقي غير منشور، صدر بمناسبة مشاركة «صادق النمك» في الدورة الثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، 2023.

10. الشريحي، علي. «كوبري جدة ومدينة ناجازاكي اليابانية في “البرمائي” مع قضايا الشعر المسروق». جريدة المدينة، 15 يونيو 2011. 

11. أحمد، رشا. «“صادق النمك”… عرض سعودي ساخر يطمح لكسر النمط التقليدي». الشرق الأوسط، 7 سبتمبر 2023. 

0