تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ياسر مدخلي

رحم الإبداع

إن كان الإبداع يولد من رحم المعاناة، فإن الجمال هو الابن الشرعي لصلة الرحم بين المبدعين.

فالمبدع، مهما بدا مكتفيًا بعزلته، لا ينمو وحده. قد يكتب نصه منفردًا، ويرسم لوحته في مرسم مغلق، ويصوغ لحنه بعيدًا عن الضجيج، لكنه يظل ابن أصوات كثيرة مرّت به، وتجارب ألهمته، وأيدٍ امتدت إليه في لحظة تردّد، وكلمات آمنت به حين كان عاجزًا عن الإيمان بنفسه. وراء كل تجربة إبداعية ناضجة سلسلة غير مرئية من المؤازرة؛ معلمٌ نبّه، وصديقٌ قرأ، وناقدٌ أضاء، ومبدعٌ أفسح الطريق لمبدع آخر.

المعاناة قد توقظ الإبداع، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الجمال. فالألم الخام قد يتحول إلى عزلة أو مرارة أو انطفاء، ما لم يجد من يصغي إليه ويمنحه المعنى. هنا تظهر قيمة الصلة بين المبدعين؛ فهي لا تلغي وحدة التجربة، لكنها تخفف وحشتها، ولا تصنع الموهبة، لكنها تمنحها البيئة التي تساعدها على النمو.

وليست صلة الرحم الإبداعية قرابة في الدم، بل قرابة في الشغف والمصير والأسئلة. إنها العلاقة التي تنشأ بين الذين يعرفون كلفة الفكرة، وقلق البدايات، وقسوة الرفض، وانتظار الاعتراف، والخوف الذي يسبق كل ظهور جديد. لذلك يفترض أن يكون المبدع أقدر الناس على فهم مبدع آخر، وأسرعهم إلى مؤازرته، لأنه يدرك أن العمل الذي يبدو سهلًا بعد اكتماله قد يكون قد استنزف من صاحبه سنوات من المحاولة والشك.

غير أن الوسط الثقافي لا يخلو من منافسة تتحول أحيانًا إلى خصومة صامتة. يتردد بعض المثقفين في الاحتفاء بنجاح زملائهم، كأن الضوء كمية محدودة، إذا سطع على أحدهم انطفأ عن الآخرين. وقد تتحول العلاقات إلى دوائر مغلقة تتبادل المديح داخلها، بينما تقابل التجارب الجديدة بالتجاهل أو الاستعلاء. وهنا تفقد الثقافة جانبًا من رسالتها؛ لأن المبدع الذي يدافع عن قيم الجمال والانفتاح في أعماله، ثم يضيّق المجال على غيره في الواقع، يناقض ما يكتبه مهما بلغت بلاغته.

لكن الخطر لا يقف عند حدود التنافس الطبيعي؛ بل يفتك بالإبداع من يأتي مدفوعًا ببؤس الفشل، وحنق الأنانية، ونزق النرجسية، متكئًا على عقلية «الشلة» والتحزّب. تلك العقلية التي تقسم المشهد إلى دوائر مغلقة، يتبادل أفرادها الاعتراف والفرص والمنابر، ويقيمون حول الضوء أسوارًا لا تعبرها الموهبة إلا إذا أعلنت ولاءها للـ”قروب”. وهي بذلك تقف حجر عثرة أمام التفاؤل والتكامل وتكافؤ الفرص، وتحول الثقافة من فضاء حر للتعدد إلى نادٍ محدود العضوية، تُمنح فيه الأفضلية للقرب لا للكفاءة، وللانتماء لا للاستحقاق.

وليس أشد فتكًا بالمبدع من أن يُحاصَر قبل أن تُختبر موهبته، أو يُتجاهل لأنه لا ينتمي إلى الدائرة النافذة، أو يجد الأبواب موصدة في وجهه لأن أسماء بعينها قررت أن الصدارة ملكية دائمة لا مسؤولية مؤقتة. فاحتكار الضوء لا يحمي مكانة أحد، بل يضعف المشهد كله؛ لأن الضوء الذي لا يتحرك يتحول إلى بقعة جامدة، فيما تبقى مساحات واسعة من الإبداع في الظل.

ومن هنا، فإن معركة المبدعين اليوم لا ينبغي اختزالها في مقاومة السطحية والتسليع والابتذال وحدها، كما يردد بعض أنصار تكريس الأسماء وترميز الذوات. نعم، تمثل هذه الظواهر تحديات حقيقية، لكن رفع شعارات الجودة قد يتحول أحيانًا إلى ستار أنيق لحماية الامتيازات القديمة، وإقصاء المواهب الصاعدة، وتبرير احتكار المنابر والفرص. فالسطحية لا ترتبط بعمر التجربة، كما أن القيمة لا تُمنح لصاحبها بقرار من حراس الصدارة؛ قد يأتي التجديد من اسم شاب، وقد يصدر الابتذال عن اسم راسخ احتمى طويلًا بتاريخه.

إن حرب المبدعين الأجدر بخوضها هي الحرب ضد احتكار الاعتراف، واستحواذ البعض على الضوء، وتحويل الصدارة من استحقاق متجدد إلى حق مكتسب لا يقبل التداول. وهي حرب ضد المعايير المزدوجة التي تحتفي بالعمل المتواضع إذا حمل اسمًا مألوفًا، وتتجاهل العمل المختلف إذا جاء من خارج الدائرة. وليست الغاية إزاحة جيل ليحل محله جيل آخر، أو استبدال شلة بشلة، بل بناء مشهد عادل تتجاور فيه الخبرة مع المغامرة، ويحظى فيه السابق بالتقدير واللاحق بالفرصة.

ولا تعني صلة الرحم الإبداعية توزيع الضوء بالتساوي بين الجميع دون اعتبار للقيمة؛ فذلك شكل آخر من المجاملة. إنما تعني عدالة الوصول إلى المنصة، وشفافية الاختيار، وتكافؤ الفرص، وفتح المجال أمام التجارب لكي تُرى وتُختبر ويُحكم عليها بما تقدمه، لا بمن يقف خلفها. فالمشهد الثقافي الصحي لا يخشى صعود المواهب، بل يرى فيها دليلًا على خصوبته واستمراره.

أما المبدع الواثق، فلا يحتاج إلى إطفاء الآخرين كي يبدو مضيئًا، ولا إلى حراسة المقدمة كي يحافظ على قيمته؛ لأن القيمة الحقيقية لا يصنعها ترتيب الأسماء في دعوة، ولا تكرار الظهور على المنابر، بل يصنعها الأثر. ومن يدرك ذلك لا يحتكر الضوء، وإنما يوسّع دائرته، ويفتح الطريق لمن بعده، ويعلم أن أجمل ما يمكن أن يتركه المبدع ليس اسمه وحده، بل أسماء أخرى أسهم في ظهورها.

إن نجاح مبدع لا ينتقص من رصيد مبدع آخر، بل يوسّع مساحة الحضور للإبداع كله. نجاح رواية محلية يفتح الطريق أمام روايات أخرى، وامتلاء مقاعد عرض مسرحي يعزز ثقة الجمهور والمنتجين بالمسرح، وانتشار قصيدة أو لوحة أو فيلم يرفع قيمة المجال الذي ينتمي إليه صاحبها. الثقافة ليست سباقًا يفوز فيه شخص واحد، بل منظومة يكبر أثرها كلما تعددت أصواتها وتنوعت تجاربها.

ومؤازرة المثقفين لا تعني المجاملة، ولا تقتضي إخفاء العيوب أو توزيع الثناء بلا استحقاق. فالمجاملة قد تمنح صاحبها راحة مؤقتة، لكنها لا تطور تجربته. أما المؤازرة الحقيقية فتجمع بين المحبة والصدق: أن نحتفي بما يستحق الاحتفاء، وننقد دون تشفٍّ، ونختلف دون إقصاء، ونشير إلى الخلل بقصد الإصلاح لا بقصد الاستعراض. وربما كانت الملاحظة الصادقة، حين تُقال باحترام، أعمق أثرًا من عشرات عبارات الإطراء.

وتتجسد هذه الصلة في ممارسات بسيطة لكنها مؤثرة: أن يقرأ الكاتب لزميله، وأن يحضر الفنان معرض فنان آخر، وأن يوصي المبدع باسم جدير حين تُتاح فرصة، وأن يقدّم صاحب الخبرة الموهبة الجديدة بدل أن يراها تهديدًا لمكانته، وأن ينسب الأفكار إلى أصحابها، ويحفظ فضل الذين سبقوه أو وقفوا إلى جانبه. فالدعم الثقافي ليس خطابًا عاطفيًا، بل سلوك يومي يقوم على الحضور، والإنصات، والتزكية، وتبادل المعرفة وصناعة الفرص.

ومن أجمل صور المؤازرة أن يتحول المبدع من باحث دائم عن فرصة إلى صانع فرص لغيره. فالنضج الحقيقي لا يظهر فقط فيما ينتجه الإنسان، بل فيما يتيحه للآخرين من مساحات للنمو. قد ينتهي أثر الكتاب بعد قراءته، أو العرض بعد إسدال الستار، لكن أثر اليد التي انتشلت موهبة من العزلة قد يستمر أجيالًا.

نحن بحاجة إلى مشهد لا يشعر فيه المبدع الجديد بأنه مطالب باقتحام حصون مغلقة، ولا يضطر فيه المخضرم إلى الدفاع عن مكانته بإقصاء القادمين. مشهد يحفظ الريادة دون أن يحولها إلى وصاية، ويحتفي بالتجديد دون أن يبدأ تاريخه من الصفر. فالتواصل بين الأجيال ليس مجاملة اجتماعية، بل ضرورة لاستمرار المعرفة وتراكم التجربة.

صلة الرحم الإبداعية هي أن نرى في المبدعين أسرةً معنوية، تختلف مدارسها وأذواقها لكنها تجتمع على حماية قيمة الإبداع. وهي أن نسأل عن الغائب، وننصف الحاضر، ونحفظ أثر الراحل، ونفتح الباب للقادم. وأن نفهم أن المشهد الثقافي لا يُبنى بكثرة الأسماء وحدها، بل بجودة العلاقات التي تجمع بينها.

قد يولد الإبداع من رحم المعاناة، لكن الجمال لا يكتمل إلا حين يجد من يحتضنه ويؤمن به ويمنحه فرصة العبور إلى الآخرين. وحين يؤازر المبدعون بعضهم بعضًا، لا يصنعون أعمالًا أجمل فحسب، بل يصنعون وسطًا ثقافيًا أكثر إنسانية ونضجًا واستدامة. عندها يصبح نجاح أحدهم فرحًا للجميع، وأثره امتدادًا لغيره، وتتحول الثقافة من أصوات متفرقة تبحث عن الضوء إلى سماء واسعة تتسع لكل النجوم.

للتفاعل مع منشور في منصة X

0