تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ياسر مدخلي

الحياة السرية للمبدعين!

الحديث عن “طقوس الكتابة” أخذ مساحة كبيرة في تاريخ الأدب، بينما “طقوس التلقي” تكاد تكون مجهولة، مع أنها لا تقل أهمية. فالمبدع لا يكتب فقط، بل يبني أدواته من خلال الطريقة التي يتلقى بها أعمال الآخرين ويشكل تراكماته المعرفية..

حين يُستضاف روائي في برنامج ثقافي، أو يجلس شاعر في أمسية أدبية، أو يقف مخرج بعد عرض فيلمه أمام الجمهور، يكاد سؤال واحد يفرض نفسه قبل غيره: كيف تكتب؟ متى تبدأ الكتابة؟ هل تفضل الليل أم الصباح؟ هل تحتاج إلى عزلة؟ هل ترافقك الموسيقى؟ وهل للقهوة مكان ثابت على مكتبك؟ حتى إننا أصبحنا نعرف تفاصيل مكاتب الكتّاب أكثر مما نعرف تفاصيل قراءاتهم؛ نعرف نوع الأقلام التي يفضلونها، وألوان الدفاتر التي يكتبون فيها، والمقهى الذي اعتادوا الجلوس فيه، وعدد الساعات التي يقضونها أمام الصفحة البيضاء، وكأن الإبداع يبدأ لحظة يلامس القلم الورقة.

غير أن هذا الفضول، على مشروعيته، يخفي سؤالًا آخر لا يقل أهمية، وربما يفوقه أثرًا، لكنه نادرًا ما يُطرح: كيف تقرأ؟ كيف تشاهد؟ كيف تنصت؟

قد يبدو السؤال أقل إثارة للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة أكثر اقترابًا من أصل العملية الإبداعية. فالكاتب لا يولد عندما يكتب روايته الأولى، بل قبل ذلك بسنوات طويلة، وهو يجلس قارئًا بين رفوف مكتبة، أو متفرجًا في قاعة سينما، أو منصتًا لقصيدة، أو مأخوذًا بعرض مسرحي لم يستطع أن ينساه. إن الصفحة البيضاء ليست بداية الرحلة، وإنما محطتها الأخيرة. أما البداية الحقيقية فتحدث في لحظة صامتة، لا يراها أحد، حين يتلقى المبدع عملًا صنعه شخص آخر، فيبدأ، من حيث لا يشعر، بإعادة كتابة نفسه.

من هنا يمكن القول إننا بالغنا طويلًا في الحديث عن طقوس الكتابة، حتى أوشكنا أن ننسى ما يسبقها. أصبحنا نعامل الكتابة وكأنها لحظة ميلاد الإبداع، بينما هي، في كثير من الأحيان، لحظة ظهوره فقط. أما تكوين الحس، وصقل الذائقة، وبناء المخيلة، وتدريب العين على ملاحظة ما لا يراه الآخرون، فكلها عمليات تحدث قبل أن يُكتب السطر الأول بوقت طويل.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح على كل مبدع ليس: كيف تكتب؟ بل: كيف صنعت القارئ الذي بداخلك؟

اعتدنا أن نصف القراءة بأنها غذاء الكاتب، وهي استعارة جميلة، لكنها لا تكفي. فالطعام نفسه قد يُقدَّم لشخصين، فيخرج أحدهما أكثر قوة، بينما لا يترك في الآخر أثرًا يُذكر. ليس لأن الطعام اختلف، بل لأن الجسد الذي استقبله كان مختلفًا. وكذلك الأمر مع الأدب والفنون. قد يقرأ شخصان الرواية نفسها، أو يشاهدان الفيلم ذاته، أو يحضران العرض المسرحي نفسه، ثم يخرجان بتجربتين لا تشبه إحداهما الأخرى. العمل واحد، لكن المتلقي ليس واحدًا.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم رواية قرأت؟ ولا: كم فيلمًا شاهدت؟ وإنما: كيف قرأت؟ وكيف شاهدت؟

هنا يبدأ الفارق بين قارئ يبحث عن المتعة، وآخر يبحث عن المعرفة. الأول يريد أن يعرف ماذا سيحدث، أما الثاني فيسأل: لماذا حدث بهذه الطريقة؟ الأول يتتبع مصير الشخصيات، بينما ينشغل الثاني بالطريقة التي بُنيت بها هذه الشخصيات أصلًا. الأول يندهش من النهاية، أما الثاني فيعود بعد انتهائها ليفتش عن البذرة الأولى التي جعلت تلك النهاية ممكنة.

وهذا الفارق هو الذي يصنع، في النهاية، الفارق بين المتلقي والمبدع.

فالمتلقي العادي يعيش داخل القصة، أما المبدع فيعيش داخل صناعتها. وحين يبكي أمام مشهد مؤثر، لا يكتفي بالبكاء، بل يسأل نفسه: ما الذي فعله الكاتب حتى أوصلني إلى هذه اللحظة؟ وحين يضحك من مفارقة ذكية، لا يتوقف عند الضحكة نفسها، بل يعود بعقله إلى الوراء، يبحث عن الجملة التي مهدت لها، وعن الإيقاع الذي منحها قوتها، وعن الصمت الذي سبقها، لأنه يدرك أن التأثير لا يولد مصادفة، وإنما يُبنى لبنة فوق أخرى حتى يبلغ ذروته.

ولهذا فإن الدهشة، عند المبدع، ليست نهاية التجربة كما هي عند كثير من الناس، بل بدايتها. إنها اللحظة التي يبدأ فيها التحليل. كيف نجح هذا العمل؟ لماذا بقي هذا المشهد في الذاكرة؟ ما الذي جعل شخصية عابرة تبدو أكثر حضورًا من بطل الرواية؟ ولماذا خرجت من المسرح وأنا أفكر في جملة واحدة أكثر من العرض كله؟

إنه لا يستهلك العمل، بل يحاوره.

ولا يكتفي بالإعجاب، بل يحاول أن يفهم آلية الإعجاب.

ولا يتعامل مع النص بوصفه نتيجة، بل بوصفه طريقًا يمكن تتبع آثاره.

ولهذا فإن المبدع، وهو يجلس بين الجمهور، لا يكون حاضرًا بصفته متفرجًا فقط، وإنما يحضر معه مشروعه كله؛ خبراته، وأسئلته، ومحاولاته السابقة، وإخفاقاته، وأحلامه بما سيكتبه لاحقًا. إنه يشاهد بعينين في وقت واحد؛ عين تنغمس في التجربة، وعين تراقبها من الخارج. وربما كانت هذه هي الحياة السرية للمبدعين؛ الحياة التي لا نراها لأننا اعتدنا أن نتأملهم وهم يكتبون، ولم نفكر كثيرًا في تأملهم وهم يتلقون.

للتفاعل مع منشور المقالة في منصة X

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن كبار المبدعين لم يتركوا لنا كتبًا عن الكتابة فحسب، بل تركوا، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، كتبًا عن التلقي أيضًا. لم يكونوا يتحدثون عن الرواية باعتبارها نصًا يُكتب فقط، وإنما باعتبارها تجربة تُقرأ، وعن المسرح بوصفه عرضًا يُستقبل، وعن السينما بوصفها لغة لا تكتمل إلا بعين تتأملها. ولذلك فإن محاولة فهم المبدع من خلال كتابته وحدها تشبه محاولة فهم الموسيقى من خلال قراءة النوتة دون سماعها.

ولعل فلاديمير نابوكوف كان من أوائل من لفتوا الانتباه إلى هذه الحقيقة حين قال عبارته الشهيرة: «من الغريب أننا لا نقرأ الكتاب حقًا، بل إننا لا نقرأه إلا عندما نعيد قراءته.»

قد تبدو العبارة لأول وهلة مفارقة لغوية، لكنها في حقيقتها إعلان عن فلسفة كاملة في التلقي. فنحن في القراءة الأولى لا نملك حرية النظر إلى العمل، لأن العمل نفسه يقودنا. الحكاية تشدنا إلى الأمام، والفضول يدفعنا إلى معرفة النهاية، والشخصيات تستولي على انتباهنا، فلا يبقى في الذهن متسع لمراقبة الطريقة التي صُنعت بها تلك الرحلة.

ولهذا فإن القراءة الأولى، مهما بدت ممتعة، ليست عند نابوكوف سوى قراءة للحكاية.

أما القراءة الثانية فهي قراءة للرواية.

والفرق بينهما كبير.

في الأولى نسير على الطريق نراقب خطواتنا والمدى القصير الذ ترصده أعيننا، أما في القراءة الثانية فنصعد إلى أعلى الجبل لنرى الطريق كله.

في الأولى نعيش مع الشخصيات، أما في الثانية فنرى كيف خُلقت هذه الشخصيات، وكيف اختار الكاتب لحظة دخولها وخروجها، وكيف أخفى معلومة هنا، وأظهر أخرى هناك، وكيف جعل اللغة تعمل بصمت خلف الأحداث دون أن تفرض نفسها عليها.

وهنا يتحول القارئ من سائح يتجول في مدينة لا يعرفها، إلى مهندس يحمل مخطط المدينة ويحاول أن يفهم كيف بُنيت ولماذا أصبحت مكوناتها بهذه الصورة التي يراها، وهل فعلا ظاهرها يعبر عن حقيقتها؟

وربما لهذا السبب لا يعود كبار الكتّاب إلى الأعمال العظيمة بدافع الحنين، بل بدافع الدراسة. إنهم لا يقرأونها مرة أخرى لأنهم نسوا أحداثها، وإنما لأنهم أصبحوا أشخاصًا مختلفين منذ قراءتهم الأولى. فالكتاب العظيم لا يكشف نفسه دفعة واحدة. إنه يشبه مدينة قديمة، كلما دخلتها من باب جديد اكتشفت شارعًا لم تكن قد رأيته من قبل. وإذا كان نابوكوف قد أعاد تعريف القراءة من خلال العودة إليها.. فإن أورهان باموق أعاد تعريف القارئ نفسه في كتابه «الروائي الساذج والروائي المتأمل» لا يقسم القراء إلى محترفين وهواة، ولا إلى مثقفين وعاديين، وإنما يقترح أن داخل كل واحد منا قارئين يعيشان في الوقت نفسه.

قارئ ينسى أنه يقرأ. وقارئ لا ينسى أبدًا.

الأول يذوب داخل العالم الروائي حتى يكاد ينسى نفسه. يصدق الشخصيات، ويخاف عليها، ويفرح لانتصاراتها، ويحزن لانكساراتها، ويتعامل مع الرواية كما لو كانت حياة كاملة. أما الثاني، فلا يتوقف عن طرح الأسئلة.

كيف بدأ الكاتب من هذه اللحظة؟

ولماذا لم يبدأ من غيرها؟

لماذا كشف هذا السر الآن؟

ولماذا بقيت هذه الشخصية في الظل كل هذه الصفحات قبل أن تصبح محور الأحداث؟

وكيف استطاعت جملة قصيرة أن تحمل أثر فصل كامل؟

لكن باموق لا يطلب منا أن نختار أحد هذين القارئين. بل يرى أن القارئ العظيم هو الذي يستطيع أن يعيش الحالتين معًا. أن يسلم نفسه للعمل أولًا، ثم يستعيد وعيه بعد ذلك ليقرأ التجربة بعين الصانع. وهنا يصبح التلقي نفسه عملية ذات مرحلتين. مرحلة يعيش فيها الإنسان العمل. ثم مرحلة يعيش فيها العمل داخل الإنسان. ولعل هذه الفكرة تفسر سرًا يعرفه كل من مارس الكتابة زمنًا طويلًا.

إن ذلك الشعور الغريب الذي يجعل الكاتب يعود إلى رواية أحبها قبل عشرين عامًا، فيكتشف أنه لا يقرأ الكتاب نفسه، رغم أن الكلمات لم تتغير. لقد تغيّر هو. وأصبحت عينه ترى ما لم تكن تراه. وصار انتباهه يتجه إلى أشياء لم يكن يلتفت إليها. بل إن بعض الكتب لا تكبر لأنها عظيمة فقط، وإنما لأنها تمنح قارئها فرصة لقياس المسافة التي قطعها هو نفسه. فالكتب، في النهاية، ليست مرايا للمؤلفين وحدهم. إنها مرايا لقرّائها أيضًا. ومن هنا يمكن القول إن إعادة القراءة ليست عودة إلى الماضي، بل اختبار للحاضر.

إنها ليست محاولة لاسترجاع المتعة الأولى، بل محاولة لاكتشاف القارئ الجديد الذي أصبحناه. وهذا، في تقديري، هو أحد الفروق الدقيقة بين من يقرأ ليملأ وقته، ومن يقرأ ليبني نفسه. فالأول يخرج من الرواية وقد عرف نهايتها. أما الثاني فيخرج منها وقد عرف شيئًا جديدًا عن الكتابة، وشيئًا جديدًا عن نفسه أيضًا.

وهنا، للمرة الأولى، لا يعود السؤال: ماذا قال الكاتب؟

بل يصبح: كيف استطاع أن يقول ما قاله؟

ومن هذه اللحظة يبدأ التلقي في التحول من فعل استهلاك إلى فعل إبداع.؛ لكن إذا كان نابوكوف وباموق قد انشغلا بالسؤال: كيف نقرأ؟ فإن أمبرتو إيكو ذهب خطوة أبعد، وسأل سؤالًا أكثر جرأة: من الذي يكتب المعنى فعلًا؟

يبدو السؤال، للوهلة الأولى، محسومًا؛ فالكاتب هو من كتب الرواية، وهو من اختار كلماتها، ورتب أحداثها، ورسم شخصياتها. لكن إيكو، في كتابه «دور القارئ»، يقترح أن العمل الأدبي لا يكتمل عند آخر جملة يكتبها المؤلف، وإنما عند أول قارئ يشرع في قراءته.

النص، في نظره، ليس بناءً مغلقًا، بل مساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة. الكاتب يضع الإشارات، ويزرع الرموز، ويخفي بعض الفراغات عمدًا، ثم يغادر. بعد ذلك يبدأ دور القارئ. ليس بوصفه مستهلكًا لما كُتب، وإنما بوصفه شريكًا في إنتاج معناه. ولهذا لا توجد قراءتان متطابقتان لرواية واحدة. قد يتفق القراء على تسلسل الأحداث، لكنهم يختلفون في تفسير الدوافع، وتأويل النهايات، وفهم الشخصيات، واختيار المشاهد التي بقيت في ذاكرتهم. الرواية الواحدة تعيش حيوات كثيرة، بعدد الذين قرؤوها. وهذا لا يعني أن كل تفسير صحيح بالضرورة، بل يعني أن النص العظيم يمتلك قدرة نادرة على استيعاب أكثر من قراءة، دون أن يفقد هويته. ولعل هذا ما يجعل بعض الكتب عصية على الاكتمال. فهي لا تمنح قارئها إجابة واحدة، وإنما تمنحه مساحة واسعة من الأسئلة. ومن هنا يصبح التلقي فعلًا إبداعيًا، لا يقل شأنًا عن الكتابة نفسها. ومن هذا المعنى تحديدًا ينطلق ألبرتو مانغويل، لكن في اتجاه أوسع. في كتابه «تاريخ القراءة» لا يكتب عن الأدب وحده، ولا عن الكتب وحدها، بل عن الإنسان وهو يقرأ العالم. وكأن القراءة، في نظره، لم تبدأ مع اختراع الأبجدية، بل بدأت منذ أن وقف الإنسان الأول يتأمل السماء ليعرف إن كان المطر قادمًا، أو يتتبع آثار الأقدام على الرمل ليدرك من مرّ من هنا، أو يقرأ ملامح الوجوه ليميز بين الصديق والعدو. إن القراءة، قبل أن تكون فعلًا لغويًا، كانت فعلًا وجوديًا. نحن لا نتعلم القراءة حين ندخل المدرسة، بل نمارسها منذ لحظة وعينا الأولى، وإن اختلفت أدواتها.

يقول مانغويل إننا لا نقرأ الكتب وحدها، بل نقرأ المدن، والبيوت، والصمت، والذكريات، ونقرأ الناس كما نقرأ أنفسنا. وربما لهذا السبب لا يستطيع الكاتب أن يكتفي بقراءة الأدب وحده. إنه يقرأ حركة الناس في الأسواق، وطريقة جلوسهم في المقاهي، وصمتهم في المصاعد، وارتباكهم في قاعات الانتظار، كما يقرأ القصائد والروايات. فالكتابة، في جوهرها، ليست إعادة إنتاج لما قرأه الكاتب في الكتب، وإنما لما قرأه في الحياة. ولهذا فإن بعض أعظم الروائيين كانوا، قبل أن يكونوا كتّابًا، مراقبين بارعين. لم يكن اهتمامهم منصبًا على اختراع البشر، بل على اكتشافهم.

ومن زاوية أخرى، يأتي رولان بارت ليذكرنا بأن القراءة ليست نشاطًا ذهنيًا خالصًا. في كتابه «لذة النص» يلفت الانتباه إلى أن بعض النصوص لا تُقرأ بالعقل وحده، بل بالجسد أيضًا. هناك كتب تمنحنا طمأنينة غريبة، وأخرى تثير فينا القلق، وثالثة تربك يقيننا، وتجعلنا نغلقها ونحن أقل ثقة بما كنا نعتقده قبل ساعات. النص العظيم لا يضيف معلومة إلى الذاكرة فحسب. إنه يعيد ترتيب علاقتنا بالعالم. ولذلك فإن قيمة الأدب لا تكمن في عدد الأفكار التي يقدمها، بل في مقدار التحول الذي يحدثه داخل قارئه. إننا لا نتذكر كل ما قرأناه؛ لكننا لاننسى الكتب التي غيرتنا. وهذه الكتب لا تترك أثرها لأنها قدمت إجابات أفضل، بل لأنها طرحت أسئلة لم نكن نعرف أننا بحاجة إلى طرحها.

كان إيتالو كالفينو يفكر في الأمر نفسه، ولكن من زاوية الزمن. ففي كتابه «لماذا نقرأ الكلاسيكيات؟» لا يقدم تعريفًا تقليديًا للكتاب الكلاسيكي، فلا يربطه بعمره، ولا بشهرته، ولا بمكانته في تاريخ الأدب. الكتاب الكلاسيكي، في رأيه، هو ذلك الذي لا ينتهي من قول ما لديه. كلما عدنا إليه، وجدناه يحمل معنى جديدًا. لكن الحقيقة أن الكتاب لم يتغير. الذي تغيّر هو قارئه.

فالقراءة ليست لقاءً بين شخص وكتاب فقط، بل بين مرحلتين من عمر الإنسان. قد نقرأ الرواية نفسها في العشرين، ثم نعود إليها في الأربعين، فنكاد لا نصدق أننا أمام النص ذاته. لقد تغيرت تجاربنا، واتسعت أسئلتنا، ونضجت مخاوفنا، فأصبح الكتاب يضيء زوايا لم تكن موجودة في وعينا القديم. ولهذا فإن الكتب العظيمة لا ترافقنا لأنها ثابتة، بل لأنها قادرة على أن تتغير معنا. إنها لا تعكس الماضي. بل تقيس المسافة التي قطعناها منذ آخر مرة التقينا بها.

إذا تأملنا أفكار هؤلاء جميعًا، سنكتشف أنهم، على اختلاف مدارسهم، يلتقون عند حقيقة واحدة. أن التلقي ليس مرحلة تسبق الإبداع ثم تنتهي. إنه الإبداع نفسه، لكن في صورته الصامتة. الصورة التي لا تُرى. فحين يقرأ الكاتب رواية، أو يشاهد فيلمًا، أو يحضر عرضًا مسرحيًا، لا يكون خارج العملية الإبداعية. إنه يمارسها بالفعل، وإن كان لا يحمل قلمًا. ولهذا فإن الكاتب الحقيقي لا يقرأ ليجمع الأفكار. ولا يشاهد ليملأ ذاكرته بالمشاهد. ولا ينصت ليقتبس العبارات. إنه يفعل شيئًا أكثر تعقيدًا. إنه يعيد تشكيل طريقته في النظر. والإنسان، في النهاية، لا يكتب بما يعرفه فقط. إنه يكتب بالطريقة التي يرى بها.

ولهذا ربما كان أعظم ما يمنحه التلقي للمبدع ليس موضوعًا جديدًا يكتب عنه، بل عينًا جديدة يرى بها العالم.

ولعل أكثر الفنون كشفًا لطبيعة التلقي هو المسرح. فالرواية تستطيع أن تنتظر قارئها على الرف سنوات طويلة، والفيلم يمكن إيقافه وإعادته متى شاء المشاهد، أما المسرح فلا يمنح هذه الرفاهية. إنه يحدث مرة واحدة، في زمن واحد، أمام بشر يتنفسون معًا. وما يمر من لحظة لا يعود بالصورة نفسها أبدًا. ولهذا ظل المسرح، عبر تاريخه، مختبرًا حيًا لفهم العلاقة بين الإبداع والتلقي.

وحين كتب بيتر بروك كتابه الشهير «الفضاء الخالي» لم يكن يحاول أن يعيد تعريف الخشبة بقدر ما كان يعيد تعريف الجمهور. كان يقول، بمعنى من المعاني، إن المسرح لا يبدأ عندما يرتفع الستار، ولا ينتهي عندما يهبط، بل يبدأ في اللحظة التي ينشأ فيها ذلك الخيط الخفي بين ممثل ينطق كلمة، ومتفرج يلتقطها بقلبه قبل أذنه.

المسرح، في جوهره، ليس مكانًا إنه علاقة. ولهذا يمكن أن يتحول شارع، أو ساحة، أو مستودع قديم، أو غرفة فارغة، إلى مسرح كامل، إذا وُجد ممثل، ووجد من يراه. إن ما يصنع العرض ليس الجدران، بل التلقي. هذه الفكرة، على بساطتها، تغير نظرتنا إلى الإبداع كله. فنحن اعتدنا أن ننسب العمل الفني إلى صاحبه وحده؛ إلى الكاتب، أو المخرج، أو الممثل، بينما يذكرنا بروك بأن جزءًا من العمل لا يُولد إلا لحظة استقباله. قد يكتب المؤلف الجملة نفسها، ويؤديها الممثل بالطريقة نفسها، لكن وقعها يتغير من جمهور إلى آخر. في مدينة تثير ضحكة. وفي مدينة أخرى تستدعي صمتًا طويلًا. وفي عرض ثالث تثير دمعة لم يتوقعها أحد. فهل تغير النص؟ أم تغيرت العلاقة التي نشأت بين النص ومن استقبله؟ ربما لهذا كان المسرحيون الكبار شديدي الاهتمام بالجمهور، ليس بوصفه زبونًا يشتري تذكرة، بل بوصفه شريكًا في صناعة المعنى. ومن هنا يمكن فهم اهتمام ستانيسلافسكي بالحياة التي تنشأ بين الخشبة والصالة. فعلى الرغم من أن مشروعه اشتهر بتطوير فن التمثيل، فإن جوهره كان يبحث دائمًا عن الصدق، والصدق لا يُختبر داخل غرفة البروفات وحدها. إنه يُختبر عندما يواجه المتلقي. كان الممثل، في نظره، لا يؤدي الكلمات كما حُفظت، وإنما يعيشها من جديد في كل عرض، لأن الجمهور نفسه يتغير في كل ليلة. ولذلك فإن العرض المسرحي لا يتكرر أبدًا، حتى لو ظل النص هو نفسه، والممثلون هم أنفسهم، والديكور لم يتغير.

في المسرح .. كل جمهور يخلق عرضًا مختلفًا. وكل ليلة تضيف طبقة جديدة إلى العمل. ولهذا فإن المسرحي الحقيقي لا يكتفي بمراقبة الممثلين. إنه يراقب القاعة أيضًا. يراقب اللحظة التي يميل فيها الجمهور إلى الأمام. واللحظة التي يبدأ فيها الشرود. ويراقب الضحكة التي جاءت متأخرة نصف ثانية. والصمت الذي لم يكن مكتوبًا في النص، لكنه أصبح جزءًا منه. إنه يقرأ الجمهور كما يقرأ المخرج شاشة المونتاج، أو يقرأ الروائي مسودته الأخيرة. ولعل السينما، على الرغم من اختلاف طبيعتها، لا تبتعد كثيرًا عن هذا المعنى. صحيح أنها تمنح المشاهد إمكانية العودة إلى الفيلم مرات لا تحصى، لكنها، في كل مشاهدة، تكشف طبقة جديدة لم تكن مرئية من قبل.

في المشاهدة الأولى نستسلم للحكاية. ننسى العدسة. ولا نفكر في زاوية الكاميرا. ولا يهمنا إن كانت الموسيقى بدأت قبل المشهد أو بعده بثانيتين. كل ما نريده هو أن نعرف إلى أين تمضي القصة. لكن ما إن تنتهي المشاهدة الأولى، حتى يبدأ فيلم آخر. ليس على الشاشة… بل في عقل المتلقي. يعود إلى اللقطات. ويعيد ترتيبها. ويكتشف أن المشهد الذي ظنه عابرًا كان يحمل مفتاح النهاية. وأن الجملة التي مرت بلا اهتمام كانت تمهد لانقلاب كامل في الأحداث. ثم يشاهد الفيلم مرة أخرى. لكن الحكاية لم تعد هي بطلة المشاهدة. لقد أصبحت الكاميرا بطلتها. ثم يشاهده مرة ثالثة. فتصبح الإضاءة هي الموضوع. ثم يعود إليه مرة رابعة. فيكتشف أنه لم يكن يلاحظ الصمت، مع أنه كان أحد أهم ممثلي الفيلم. وهكذا يتحول العمل الفني، مع كل مشاهدة، من قصة إلى بناء، ومن بناء إلى لغة، ومن لغة إلى رؤية. ولعل هذا هو الفارق الجوهري بين من يشاهد فيلمًا، ومن يتعلم من فيلم. الأول يغادر القاعة حاملًا انطباعًا. أما الثاني فيغادرها حاملًا أسئلة. لماذا اختار المخرج هذه اللقطة الطويلة؟ ولماذا قطع المشهد هنا؟ ولماذا شعرنا بالتوتر قبل أن يحدث أي شيء؟ وكيف استطاع أن يجعل غرفة صغيرة تبدو أكبر من مدينة كاملة؟

هذه الأسئلة لا تقلل من متعة المشاهدة بل تضيف إليها متعة أخرى متعة الاكتشاف، ولذلك فإن المبدع لا يخسر دهشته حين يتعلم التحليل، كما يظن بعض الناس. إنه يكتسب دهشة جديدة. دهشة معرفة الكيفية بعد أن عاش النتيجة. وهنا تتضح لنا حقيقة كثيرًا ما نغفل عنها. فالإبداع لا يصنعه الإنتاج وحده إنه يصنعه أيضًا التدريب الطويل على التلقي فالكاتب لا يتعلم من الروايات التي أحبها فقط، بل من تلك التي أخفق في فهمها والمخرج لا يتعلم من الأفلام الناجحة وحدها، بل من الأفلام التي شعر أنها لم تحقق ما أرادت والمسرحي لا يكتشف أسرار العرض في البروفات وحدها، بل وهو جالس بين الجمهور، يراقب وجوههم أكثر مما يراقب الخشبة ولهذا فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن كل مبدع يعيش حياتين متوازيتين حياة ظاهرة، يراه الناس فيها وهو يكتب، أو يخرج، أو يمثل، أو ينشر عمله وحياة أخرى لا يراها أحد يجلس فيها بهدوء في آخر قاعة المسرح أو في مقعد داخل السينما أو في ركن من مكتبة لا ليمضي وقته بل ليعيد تشكيل أدواته. هناك، بعيدًا عن الأضواء، ينضج الجزء الأكبر من الإبداع وهناك، في تلك الحياة الصامتة، يتعلم الفنان أعظم دروسه، لا لأنه يتحدث، بل لأنه يحسن الإصغاء. ولعل هذه هي المفارقة التي تستحق التأمل. فكلما ازداد الإنسان قدرة على التلقي، ازداد قدرة على التعبير. وكلما أصبح قارئًا أفضل، أصبح كاتبًا أفضل. وكلما تعلم أن يشاهد بعمق، استطاع أن يجعل الآخرين يشاهدون أعماله بعمق مماثل. ولذلك فإن المبدع لا يُقاس فقط بما ينتجه، وإنما بما يستطيع أن يستقبله من العالم، وأن يحوله، في صمت، إلى جزء من رؤيته قبل أن يحوله إلى عمل فني.

وهكذا، كلما تقدمنا في تأمل فعل التلقي، بدا واضحًا أننا لا نتحدث عن مرحلة تسبق الإبداع فحسب، بل عن الإبداع في صورته الأولى. فالكاتب لا يبدأ حين يكتب، بل حين يتعلم كيف يرى. والمخرج لا يبدأ حين يصرخ للمرة الأولى: «تصوير»، بل حين يكتشف كيف يشاهد. والشاعر لا يبدأ مع القصيدة، بل مع اللحظة التي يتغير فيها إنصاته للعالم.

وربما لهذا السبب لا أستطيع أن أنظر إلى القراءة بوصفها هواية، ولا إلى مشاهدة المسرح أو السينما بوصفها ترفيهًا. إنها، بالنسبة إلى المبدع، جزء من تدريبه المهني، مثلما يتدرب الموسيقي على السلم الموسيقي كل يوم، أو يتدرب الرياضي على الحركة نفسها آلاف المرات قبل أن يؤديها في لحظة واحدة داخل المنافسة.

لكن الفرق أن تدريب المبدع يحدث غالبًا في صمت.

لا يراه أحد.

ولا يصفق له أحد.

ولا يلتفت إليه أحد.

يجلس في آخر القاعة، أو في زاوية مكتبة، أو أمام شاشة صغيرة في منزله، بينما يظن الناس أنه يقضي وقتًا ممتعًا، في حين أنه، في الحقيقة، يعيد تشكيل أدواته الداخلية ولعل هذا ما يجعل التلقي يحتاج إلى ما يمكن أن نسميه أخلاقيات التلقي الإبداعي. لا أقصد بذلك قواعد جامدة، فالإبداع بطبيعته يرفض الوصفات، وإنما أقصد مجموعة من المبادئ التي تجعل القراءة والمشاهدة والإنصات أفعالًا واعية، لا مجرد عادات ثقافية.

أول هذه المبادئ أن يدخل المبدع إلى العمل الفني بلا أحكام مسبقة. فالعمل لا يكشف نفسه لمن يحاكمه منذ اللحظة الأولى. إنه يكشف نفسه لمن يمنحه فرصة أن يتحدث. ولهذا فإن أول واجبات المتلقي ليست النقد، بل الإصغاء. أن يسمح للعمل بأن يقوده قبل أن يبدأ في مساءلته. فليس من العدل أن نسأل النص عن أجوبته قبل أن نمنحه الوقت الكافي لطرح أسئلته.

والمبدأ الثاني أن يؤجل التحليل قليلًا، دون أن يلغيه. فالاندماج الكامل مع العمل ليس سذاجة، كما أن التحليل المبكر ليس دليلًا على الاحتراف. القراءة العظيمة تبدأ بالثقة، ثم تنتهي بالفهم. والمشاهدة العميقة تبدأ بالانفعال، ثم تتحول إلى تأمل. إن أجمل ما في الفن أنه يسمح لنا بأن نكون بشرًا أولًا، ونقادًا بعد ذلك. أما إذا بدأنا كل عمل ونحن نفتش عن عيوبه، فلن نرى جماله، حتى لو كان حاضرًا أمامنا.

والمبدأ الثالث أن يعتاد المبدع العودة. فالعمل الفني الحقيقي لا يُستنفد في لقاء واحد. الروايات الكبيرة، والأفلام الكبيرة، والعروض المسرحية الكبيرة، لا تمنح أسرارها في الزيارة الأولى. إنها تشبه المدن القديمة. قد تزورها مرات كثيرة، وفي كل مرة تكتشف زقاقًا لم تنتبه إليه من قبل. ولهذا فإن إعادة القراءة ليست تكرارًا، بل اكتشاف. وإعادة المشاهدة ليست إعادة للمتعة، بل انتقال إلى مستوى آخر منها.

أما المبدأ الرابع فهو مقاومة الإعجاب السهل. فليس كل ما يثير الانبهار عظيمًا وليس كل عمل هادئ فقيرًا كثير من الأعمال الصاخبة تخطف الانتباه ثم تغادر الذاكرة سريعًا، بينما تتسلل بعض الأعمال بهدوء، ثم تظل ترافق الإنسان سنوات طويلة ولهذا فإن المبدع لا يسأل نفسه بعد انتهاء العمل: هل أعجبني؟

بل يسأل: لماذا بقي معي؟

وما الذي لم أستطع نسيانه؟

فالأثر، لا الانفعال العابر، هو المقياس الحقيقي لقيمة التجربة.

والمبدأ الخامس أن يقرأ الإنسان خارج تخصصه فالروائي الذي لا يقرأ التاريخ، والفلسفة، وعلم النفس، والسير الذاتية، سيجد نفسه يدور في العالم نفسه والمخرج الذي لا يتأمل الرسم والعمارة والموسيقى، سيظل يرى الصورة بالعين التي اعتادها إن الفن لا يتغذى على الفن وحده بل يتغذى على الحياة كلها ولهذا كان كبار المبدعين فضوليين بطبيعتهم يقرؤون في كل شيء ويصغون لكل شيء ويؤمنون أن الفكرة قد تولد من كتاب في الفيزياء، أو من حديث عابر في مقهى، أو من طفل يركض في شارع، أو من عجوز يجلس بصمت في محطة قطار.

أما المبدأ الأخير، وربما كان أهمها جميعًا، فهو أن يتعلم المبدع الإصغاء إلى نفسه بعد انتهاء العمل فكثير من الناس يغلقون الكتاب حين تنتهي صفحاته أما الكاتب الحقيقي، فتبدأ قراءته بعد أن يغلقه هناك، في المسافة بين العمل والذاكرة، يبدأ النص في كشف معناه الحقيقي بعض الشخصيات تختفي فورًا. وبعضها يرفض المغادرة. بعض المشاهد نفقدها بعد ساعات. وبعضها يعود إلينا بعد سنوات في لحظة لم نتوقعها. وهنا يدرك المبدع أن العمل لم يكن يعيش داخل الكتاب أو على خشبة المسرح أو في شاشة السينما فقط. لقد أصبح يعيش داخله هو وربما لهذا كله، آن الأوان لأن نعيد النظر في الأسئلة التي نوجهها إلى المبدعين لقد سألناهم طويلًا عن طقوس الكتابة، حتى كدنا نظن أن الكتابة تبدأ عند المكتب.

لكنها لا تبدأ هناك إنها تبدأ قبل ذلك بكثير تبدأ في مكتبة، حيث يتوقف قارئ طويلًا أمام جملة لا يعرف لماذا هزته وتبدأ في قاعة سينما، حين يخرج شاب وهو يشعر أن الفيلم لم ينتهِ بعد، لأنه ما زال يعرض مشاهده في رأسه وتبدأ في مسرح، حين يكتشف متفرج أن الصمت بين جملتين كان أبلغ من الجملتين معًا وتبدأ في كل لحظة ينجح فيها عمل فني في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى العالم ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يصبح عادة في حواراتنا مع المبدعين ليس: كيف تكتب؟

بل: كيف تعلّمت أن تتلقى؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال لا تكشف لنا كيف وُلدت رواية، أو قصيدة، أو عرض مسرحي فحسب، بل تكشف لنا كيف وُلد صاحبها وربما لن نستطيع أبدًا أن نحدد اللحظة التي بدأ فيها كاتب كبير مشروعه الحقيقي لكن يمكننا أن نخمن أنها لم تكن أمام صفحة بيضاء، ولا خلف مكتب، ولا في ليلة قرر فيها أن يكتب أغلب الظن أنها كانت في مكان أكثر هدوءًا في مقعد داخل مكتبة أو في آخر صف في مسرح أو في عتمة قاعة سينما كان يظن أنه مجرد قارئ، أو مجرد متفرج، بينما كان، في الحقيقة، يكتب عمله القادم دون أن يمسك بالقلم بعد ولعل هذه هي الحياة السرية للمبدعين حياة لا يُرى فيها الكاتب وهو يكتب، بل وهو يتعلم، بصبر وفضول، كيف يقرأ العالم فالإبداع، في جوهره، ليس القدرة على التعبير وحدها إنه، قبل ذلك، القدرة على التلقي.

وكلما أصبح الإنسان أكثر وعيًا بما يقرأ، وأكثر إنصاتًا لما يسمع، وأكثر تأملًا فيما يشاهد، اتسعت لغته، ونضج خياله، وازدادت قدرته على أن يرد إلى العالم شيئًا من الجمال الذي أخذه منه.

فالكتابة ليست بداية. ولا نهاية.

إنها الأثر المرئي لرحلة طويلة، بدأت يوم تعلّم المبدع أن يكون قارئًا عظيمًا قبل أن يحاول أن يكون كاتبًا عظيمًا.


  • حررت المقالة مستعينا بأدوات الذكالي.
0