ياسر مدخلي

الذكالي ومقاومة المبدعين

لفت انتباهي مؤخرًا منشور لمجمع اللغة الافتراضي .. يقترح استبدال مصطلح “الذكالي” المنحوت من “الذكاء الآلي” بمصطلح “الذكاعي” من “الذكاء الاصطناعي” بوصفه أكثر اتساقًا مع الاشتقاق اللغوي العربي. وكما هو متوقع، أثار الاقتراح نقاشًا واسعًا بين مؤيد يرى فيه تصحيحًا لغويًا، وآخر يفضّل الإبقاء على المصطلح الشائع.

وأرى أن الذكاء ينبغي أن يبقى من نصيب الإنسان، وأن يكون هو الذكي في استخدام هذه الأداة، لا أن يمنحها من حضوره ما يجعله يتنازل تدريجيًا عن دوره. فالقضية في نظري لم تعد قضية مصطلح، بل قضية موقف، ولم يعد السؤال: ماذا نسميه؟ بل كيف نستخدمه؟ ومن هنا تبدأ الحكاية.

فقبل سنوات قليلة، كان كثير من الكُتّاب والفنانين والباحثين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدًا مباشرًا للإبداع الإنساني. كانت المقاومة واضحة، وكان الرفض يُعد موقفًا مهنيًا يؤكد التمسك بالأصالة وبقدسية الجهد البشري. كان الخوف عارمًا، لكنه يبدو اليوم كعملاقٍ من دخان؛ كثيفًا في حضوره، سريعًا في تلاشيه.

ومن خلال متابعتي للمشهد الإبداعي، أجد أن التحول لم يكن تدريجيًا فحسب، بل عميقًا أيضًا. فلم يعد النقاش يدور حول رفض الذكاء الاصطناعي أو قبوله، بل انتقل بهدوء إلى سؤال آخر: كيف نستخدمه؟ وما أدبيات التعامل معه؟ وكأن المقاومة انحسرت، لتحل محلها محاولة لتنظيم التعايش مع واقع لم يعد ممكنًا تجاهله.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد انتشار لتقنية جديدة، بل تآكلًا تدريجيًا لحالة المقاومة التي سادت في بدايات ظهورها. فالكاتب الذي كان يرفض الاستعانة بالذكاء الاصطناعي أصبح يستخدمه في توليد الأفكار، ومراجعة النصوص، بل وحتى كتابة المنشورات اليومية التي لا تستغرق منه جهدًا يُذكر. والباحث الذي كان يحذّر من مخاطره بات يلجأ إليه لتلخيص الدراسات، وصياغة الإطار النظري، وتنظيم المراجع. أما المصمم والفنان والمترجم، فقد وجد كل منهم في هذه الأدوات شريكًا يختصر الوقت ويضاعف الإنتاجية.

وما كان يُنظر إليه بالأمس باعتباره تهديدًا وجوديًا، أصبح اليوم مهارة يتباهى بها كثيرون، في سباق محموم نحو إنتاج أسرع وأكثر غزارة، حتى وإن فقدت بعض الأعمال شيئًا من روحها، أو بصمتها الشخصية، أو ذلك الأثر الذي لا يصنعه إلا الإنسان.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا التحول بوصفه إدانة للمبدعين، بل هو نتيجة طبيعية لقوة التقنية وتسارع تطورها. فالذكاء الاصطناعي يقدم كفاءة استثنائية، ويمنح المستخدم قدرة على الإنجاز لم تكن متاحة من قبل. ومع تصاعد المنافسة وضيق الوقت، يصبح الامتناع عن استخدامه قرارًا مكلفًا، وربما غير عملي.

غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في غياب الأدبيات التي تنظّم هذا الاستخدام. فكلما ازدادت قدرة التقنية، ازدادت الحاجة إلى إطار أخلاقي يحفظ نزاهة المعرفة، وأصالة الإبداع، وحقوق المبدعين. واليوم تبدو المؤسسات التعليمية، ودور النشر، والجامعات، والجهات الإعلامية، والقطاعات الإبداعية، أمام تحدٍّ غير مسبوق: كيف نميّز بين ما أبدعه الإنسان، وما أنتجته الخوارزميات، وما كان ثمرة تعاون بينهما؟

لقد تجاوز النقاش مرحلة القبول أو الرفض، وأصبح سؤال المسؤولية أكثر إلحاحًا من سؤال الإمكان. هل يجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟ وما الحدود المقبولة للاستعانة به في البحث العلمي أو الكتابة الإبداعية؟ ومن يتحمل مسؤولية الأخطاء أو التحيزات أو انتهاكات الملكية الفكرية؟ وكيف نحافظ على قيمة الاجتهاد الشخصي في زمن تستطيع فيه الآلة إنتاج نصوص وصور وأفكار خلال ثوانٍ؟

إن المهن الإبداعية والبحثية تواجه اليوم أزمة أخلاقية أكثر من كونها أزمة تقنية. فالتقنية ستواصل تقدمها، سواء قبلنا بذلك أم لا، لكن القيم المهنية قد تتآكل إذا لم يصاحب هذا التقدم إطار واضح للمساءلة والمسؤولية. ولن يكون الخطر في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في غياب الضوابط التي تحدد دوره وحدود تأثيره، حتى لا تتحول المساندة إلى بديل، ولا الأداة إلى مؤلف خفي.

ولهذا، أصبحت الحاجة ملحّة إلى بناء سياسات صارمة تؤطر أخلاقيات التعامل مع الذكاء الاصطناعي؛ سياسات تضع معايير للإفصاح، وتحفظ حقوق الملكية الفكرية، وتحدد مستويات الاستخدام المقبول في التعليم والبحث والإنتاج الإبداعي، وتؤسس لثقافة مهنية تجعل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز قدرات الإنسان، لا ذريعة للتراخي عن البحث، أو اختصار رحلة التفكير، أو إضعاف أصالة الإبداع.

إن المستقبل لن يكون لمن يرفض الذكاء الاصطناعي، ولن يكون أيضًا لمن يستسلم له بلا حدود. بل سيكون لمن ينجح في بناء علاقة متوازنة معه؛ علاقة تُسخّر إمكاناته، وتحافظ في الوقت نفسه على جوهر الإبداع الإنساني، وقيم النزاهة، والشفافية، والمسؤولية.

فالرهان الحقيقي لم يعد على تطوير الخوارزميات، بل على تطوير الضمير المهني الذي يوجّه استخدامها. وإذا لم نسبق الثورة التقنية بثورة أخلاقية، فقد نجد أنفسنا نمتلك أكثر الأدوات ذكاءً، بينما نفقد المعايير التي تجعل المعرفة جديرة بالثقة، والإبداع جديرًا بأن يُنسب إلى صاحبه.

شكرا للذكاء الاصطناعي على المساعدة في كتابة هذه التدوينة 🙂

للتفاعل مع المنشور في منصة X

0