ياسر مدخلي

إدارة المشاريع الإبداعية

تحولت الأنشطة الإبداعية -في قطاعاتها المختلفة- إثر الأفق الاستراتيجي لرؤية 2030 إلى قطاعات اقتصادي مستدامة تجذب كافة شرائح المجتمع في المملكة العربية السعودية، وقوة ناعمة قابلة لتجاوز الحدود المحلية، وتعتبر الثقافة والترفيه والسياحة والرياضة… فرصة هائلة لتعزيز الناتج المحلي لاسيما أن إنشاء منظمات متخصصة ومهنية في قطاعات أدبية وفنية جعل مخرجات هذا القطاع قابلة للقياسها كمًّا وكيفا، كما يُقاس أي نشاط آخر، ومستعد لممارسة ترتكز على الحوكمة كأرض صلبة لطموح متنامي.

“ويُعدّ الاقتصاد الإبداعي عموما من أسرع القطاعات نموًا في العالم، حيث يُساهم بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ويُعدّ الإنتاج الإبداع موردًا متجددًا ومستدامًا وغير محدود، ويُمكن توفره في أي مكان حول العالم، فالاقتصاد الإبداعي اقتصادٌ توسعي، وفئات العاملين والمستفيدين فيه متنوع. وفي قلب هذا الاقتصاد الديناميكي، تعتبر الثقافة والفنون صناعة تُشكّل تولّد لهذا القطاع 2,250 مليار دولار أمريكي سنويًا، ويُوفّر فرص عملٍ للعمال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا أكثر من أي مجال عمل آخر.”[1]

وبحسب تقرير توقعات الاقتصاد الإبداعي لعام 2024 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ارتفعت صادرات الخدمات الإبداعية بنسبة 29% إلى 1.4 تريليون دولار في عام 2022، في حين زادت صادرات السلع الإبداعية بنسبة 19% إلى 713 مليار دولار. وتُمثل الخدمات الإبداعية 19% من إجمالي صادرات الخدمات العالمية، بزيادة 12% عما كان قبل سنوات. في الوقت نفسه، ظلت صادرات السلع الإبداعية ثابتة عند 3% من إجمالي تجارة السلع. وبينما تُصدّر الدول النامية السلع الإبداعية بشكل رئيسي، فقد شهدت حصتها من صادرات الخدمات الإبداعية العالمية نموًا ملحوظًا، من 10% في عام 2010 إلى 20% في عام 2022.[2]

وتعتبر هذه القطاعات الثقافية مساهماً كبيراً في الاقتصاد العالمي، إذ تمثل نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وحجما مهولا من التوظيف. كما تساهم بشكل كبير في التجارة الدولية، إذ تشكل السلع والخدمات الإبداعية جزءا من إجمالي صادرات السلع والخدمات بالإضافة إلى كون القطاعات الإبداعية تعزز الاندماج الاجتماعي والتنوع الثقافي والتنمية المستدامة.

“وبالنظر إلى تقرير عام 2024 نجد الدور المحوري الذي تلعبه الصناعات الإبداعية في التجارة والنمو الاقتصادي. ويكشف المسح العالمي للأونكتاد[3] عن تفاوت مساهمات الاقتصاد الإبداعي في مختلف البلدان، حيث تتراوح نسبته بين 0.5٪ و7.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتُشغّل ما بين 0.5٪ و12.5٪ من القوى العاملة.”[4]

في السعودية، لم تعد الثقافة مسألة هوية فقط، بل هدف اقتصادي متفق عليه؛ إذ وضعت رؤية 2030 هدف رفع مساهمة القطاع الثقافي إلى 3% من الناتج المحلي، بما يعادل نحو 180 مليار ريال (48 مليار دولار) وهذا مايسعى إليه القطاع منذ تأسيسه.[5]

إن الاستفادة من القطاعات الفنية والثقافية والترفيهية… لتحقيق أهداف الرؤية السعودية الطموحة بدأت تشع في سماء الإبداع، والأثر يشرق في سماء الوطن، وأصبح للتحول أثر عظيم في جودة الحياة ونالت الكثير من القطاعات الأخرى ثمار النشاط الإبداعي الكبير الذي لفت أنظار العالم، زادت أعداد العروض والمواهب والفعاليات وأقبل الجمهور من المواطنين والمقيمين والسياح وأصبحنا نعيد صياغة المادة الثقافية لتكون مواكبة للتغيرات ضمن مواسم ومشاريع ومبادرات حققت أثرها وقدمت تجربة مدهشة للجميع، فدعم الحكومة السخي للكثير من المشاريع أسس لمعيار الجودة وأعاد تشكيل السوق من خلال تقوية اللاعبين القدامى فيه، وفتح المجال للتنافس وأعاد الاعتبار للمهنية بشفافية عالية وحوكمة رصينة، وبرغم ان النموذج التشغيلي متقدم وحقق توزانا بين الجودة والسرعة إلا أن النموذج المالي والإداري -من وجهة نظري- يحتاج لفرصة أكبر حتى يصبح العمل الإبداعي قابلاً للتوسع، والتسييل، والتكرار، والتصدير، كأي منتج اقتصادي في سوق نشطة وفرص متزايدة.

فبالنظر إلى النماذج العالمية نجد أن “المسارح” في برودواي لا تحقق حضوراً رمزياً وتأثيرا معنويا؛ بل تجني عائداً يفوق 1.5 مليار دولار سنوياً من التذاكر وحدها[6]، وتولد حولها فرص اقتصادية متنوعة واستثمارات عديدة في مجالات خدمية مختلفة.

فهوليوود ليست عدسة تصوير وبكرات أفلام؛ بل منظومة تمويل، وملكية فكرية، وتوزيع، وترخيص، تتيح تحويل العمل الفني إلى أصل يُعاد بيعه وتشغيله لسنوات. الإدارة هي التي تحول الإبداع إلى أصل اقتصادي، وتحوّل الجمهور من متفرج إلى طلب مدفوع.

السعودية اليوم تمتلك العناصر نفسها التي صنعت قفزات هذه النماذج: قدرة شرائية مرتفعة، طلب جماهيري مثبت، بنى تحتية مكتملة (مسارح، مناطق فعاليات، ستوديوهات، ودور سينما)، نافذة سيادية تقلل المخاطر، وإرادة استراتيجية تعتبر الثقافة مورداً اقتصادياً لا رفاهية تجميلية. فما نراه في البوليفارد رياض سيتي، وستديوهات الحصن، والمواسم والجولات حول المملكة، واستقدام الامتيازات العالمية، يقدم برهاناً مادياً بأن الفرضية النظرية انتقلت إلى حقل التطبيق وأن النماذج الواقعية داخل السعودية قدمت البرهان الاقتصادي قبل التنظير. فمثلا منطقة البوليفارد في الرياض أثبتت أن الفنون قابلة للربحية حين تُدار كمشاريع بتشغيل احترافي لا بمنطق إحياء الفن والاكتفاء بتواجده؛ فقد تجاوز عدد الزوار 320 مليون زائر[7] مع تدفقات نقدية متولدة من التذاكر والمطاعم والبيع بالتجزئة والرعاية، وبقابلية للتوسع وإعادة التشغيل في مدن أخرى. هذا ليس مجرد إقبال جماهيري، بل تحويل المكان إلى أصل يولد دخلاً متكرراً.

أما )ستديوهات الحصن( فتمثل نموذجاً لاقتصاد الامتياز الثقافي بصيغةٍ إنتاجية لا تلفزيونية؛ فهي مجمّع استوديوهات وتجربة ترفيهية ميدانية تستند إلى ترخيص الملكية الفكرية اليابانية «الحصن»، وتوفّر منصّات تصوير ومسارات تحديات ومناطق تجربة للزوار، ما يخلق مصادر دخل متعددة: تذاكر الدخول، عقود إيجار مواقع التصوير والإنتاج، الرعايات التجارية، وحقوق الترخيص الثانوية. فالقيمة ليست في «عرض على الشاشة»، بل في تحويل الامتياز إلى أصل تشغيلي يُستثمر يومياً داخل بيئة ستوديوهات قابلة للتوسيع والتكرار محلياً وإقليمياً.

والمواسم بدورها قدمت دليلاً على وجود طلب نقدي حقيقي لا انفعال لحظي؛ فقد سجلت هيئة الترفيه أثراً اقتصادياً بالمليارات في فترة وجيزة[8] ، من خلال إنفاق الزوار المباشر، وتوليد الوظائف، وتنشيط سلاسل القيمة المرتبطة.

إن استقدام امتيازات كبرى مثل WWE وUFC وFormula1 لم يكن ترفيهاً أو رياضيا فحسب، بل كان تموضع عالمي ومخزون خبرة تشغيل قابل للنقل، وتكوين سلسلة دخل عبر البث والرعاية والسياحة. وإذا كان بالإمكان استيراد امتيازات عالمية، يمكن بالمقابل تصدير امتياز سعودي إذا وُلدت منه إدارة صناعة المشاريع الإبداعية.

ولا يمكن القول إن الصناعة تنتظر ولادة مواهب جديدة؛ فالكفاءات البشرية موجودة في الميدان: كتّاب، مخرجون، منتجون، ممثلون، وفنيون أثبتوا قدرتهم ميدانياً في أعمال مسرحية وتجارب ترفيهية وشاشات إقليمية. هؤلاء ليسوا مادة خام تنتظر التشكيل، بل رأس مال بشري جاهز للتحول إلى كيانات تشغيل إذا وُضعت تحت إدارة ثقافية احترافية. بناء طاقات جديدة من الصفر مكلف زمنياً ومالياً، أما تحويل الطاقات القائمة إلى أصول إنتاجية فهو المسار الأسرع والأقل خطراً والأعلى احتمالاً للنجاح.

بهذه الصورة يصبح جوهر التحول الثقافي في السعودية ليس في زيادة حجم الإنتاج الفني، بل في نقل الإبداع من مساحة المبادرة الفردية إلى مساحة الصناعة. وبذلك تكون الإدارة الثقافية هي نقطة الانعطاف والتحول من مشروع ينتهي مع العرض الأخير، ومشروع يتحول إلى أصل يُعاد تشغيله وتوسيعه وبيعه. فعندما تُدار العروض كممتلكات قابلة للتدوير، يتحول المسرح إلى سلسلة مواقع لا موقع واحد، ويصبح النص ملكية فكرية لا مناسبة عابرة، ويحيا المشروع أبعد من أعمار أصحابه.

رؤية 2030 لا تطلب زخماً جمالياً، بل أثراً اقتصادياً قابلاً للقياس. وهذا الأثر لا ينتج عن تكرار الفعاليات، بل عن إدارة تجعل الفعالية قابلة لإعادة التشغيل وتكرار الربحية. ومع ثبوت وجود الطلب، واستعداد الجمهور للدفع، ووجود كفاءات بشرية أثبتت قدرتها، فإن مسؤولية المرحلة ليست في خلق من لم يولد بعد، بل في إدارة من هو قائم فعلاً وإعادة تشكيله كأصل إنتاجي.

الثقافة تتحول إلى قوة حين تُدار، وتظل عبئاً حين تُترك للعفوية. الإدارة هي التي تنقلها من خانة “الحدث” إلى خانة “الصناعة”، ومن خانة “الذوق” إلى خانة “القيمة”. وحين تُستثمر الثقافة بهذه العقلية، لا تعود جزءاً من المشهد المحلي بل جزءاً من معمار النفوذ العالمي؛ فالدول اليوم تتنافس بالرموز والخيال كما تتنافس بالمال والقدرة.

السؤال الآن: هل سننافس هوليوود في السينما أو نكون جزءا مؤثرا فيها؟ وهل ستتمكن المسرحيات السعودية أن تعلن عن حضور يوازي مسارح برودواي؟

والإجابة التي نتمناها ستكون على أرض الواقع إذا تطورت المشاريع الفنية من نموذج “الاستهلاك” إلى نموذج الامتياز الفكري القابل للتصدير.. وعندها يمكن القول إن السعودية جعلت قطاع الثقافة، صناعة محلية منافسة عالميا.


[1] https://www.unesco.org/en/years/international-year-creative-economy-sustainable-development-2021

[2] https://unctad.org/news/creative-economy-booms-services-leading-growth

[3] (UNCTAD) مؤسسة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وهي هيئة حكومية دولية دائمة أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1964

[4] https://unctad.org/publication/creative-economy-outlook-2024

[5] https://www.spa.gov.sa/w1936208

[6] https://www.broadwayleague.com/press/press-releases/broadways-2023-2024-end-of-season-statistics-reveal-123-million-attendances-and-grosses-of-154-billion/

[7] قطاع الترفيه في السعودية.. 320 مليون زائر و60 موسما وبرنامجا  https://arriyadiyah.com/890969

[8] «الترفيه» من قطاع هامشي إلى محرك استراتيجي للاقتصاد السعودي https://aawsat.news/rddhs

0