ياسر مدخلي

كنز الأدباء !

“الأدباء يمتلكون كنزا كبيرا.. لكنهم لا يتقنون التعامل معه!!” سمعت كثيرا هذه العبارة يُعتبر الأدب أحد المجالات البارزة في عباءة الاقتصاد الإبداعي.. حيث يحقق الأديب عائدا مباشرا من خلال تقديم خدمات الكتابة والتدريب والترجمة والجوائز والمحاضرات… وتحقق المؤسسات الأدبية إيرادات كبيرة إثر ما تقدمه من الفعاليات والدورات والأعمال المقتبسة والطباعة والنشر… وتحقق المجتمعات قوتها الناعمة وتألقها الذي يعكس جودة الحياة من خلال الاحتفاء بأدباء عاشوا فيها وكتبوا عنها ما يجعل للأديب تأثيرا كبيرا يمنح قيمةً لزمانه ومكانه فالمدينة والأماكن التي يرتبط بها ويكتب عنها تصنع لجمهوره إلهاما ويشكل ذلك عنصر جذب للسياحة الثقافية كما هو الحال في مسرح شكسبير (الجلوب) في لندن ومنزل إرنست همنغواي في فلوريدا ومتحف كافكا في براغ… لقد صنّفت اليونيسكو أدنبرة و دبلن مدنا أدبية، وهذا منحها أجواء ساحرة وهوية إبداعية مستقلة، ومؤخرا في 2025 سجلت الرياض تصنيفها في اليونيسكو بالطراز المعماري الفريد والمدينة المنورة التي تميزت في فنون الطهي والأحساء في 2015 سُجلت مدينة للحرف اليدوية والفنون الشعبية. ومنذ عامين نالت الطائف تسجيلها كمدينة مبدعة في مجال الأدب وهي فرصة استثمارية ذهبية لمبدعي هذه المدن لابتكار جولات ومعارض ومرافق جاذبة تستلهم من الشخصيات والعروض المسرحية والقصائد والروايات قيمة تشبع فضول السياح والزائرين من داخل وخارج المملكة. وتنجح هذه الرؤية إذا استطاع الأديب التفكير في إنتاجه كما يفكر المستثمر في مشروع إبداعي فريد ويصمم نموذج عمل Business Model واضح وملائم لأدواته ويستفيد بذكاء من الإمكانيات والظروف المتاحة أمامه، بعد دراسة جمهوره المستهدف وسبل جذبه. وبصراحة: معظم الأدباء البارزين لا يحاولون التفكير في مجالهم الإبداعي كسوق، بل كثير منهم يرى ذلك منقصة وتسليع له شخصيا، وفي نفس الوقت يناهض انتشار الإنتاج الأقل جودة واقفا على سياج السوق ممتنعا عن التفكير كمقدم خدمة لجمهور متعطش للاطلاع والقراءة. والسبب – من وجهة نظري- حاجة التفكير الاقتصادي إلى إدارة وتخطيط ودراسة تسويقية، لا يريد المبدع أن ينشغل بها، ويعتقد بأنها تستنزفه، برغم أنها وقود لإبداعه ورافد مهم لفهم المجتمع أكثر والكتابة عنه بشكل مؤثر وجاذب. ويقف في الجانب الآخر -أتمنى أنهم قلة- من يؤمن بأن دوره يتوقف عند الإبداع والكتابة، وعلى من يفهم في استثمار هذه المادة الخام إعادة تقديمها وتدويرها وبشروطه هو التي تجعل من المبدع نفسه عقبة أمام استثمار حقوقه الفكرية. الأديب الذي لا يلتفت إلى الاقتصاد الإبداعي، يضيّق على إبداعه مساحات الوصول والاستدامة. – لذلك أدعو الأدباء إلى الإجابة على هذا السؤال: ما المشروع الإبداعي الذي يمكن أن تقدمه للجمهور؟ إن اقتصاد الأدب قطاع كبير مذهل ومدهش واستثمار للجمال والخيال وهو يصنع صورة ذهنية تختزل المكان والزمان وتشكل لحظة حالمة للجميع وتحول الأشياء إلى مقتنيات ذات قيمة وتعطي اللحظات وهجا خالدا في وجداننا.

0