ياسر مدخلي

النقد الحاضر الغائب

النقد! إن كثرة النقاد في المناسبات المنبرية.. أمر يلفت الانتباه؛ لكنه يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا لا يُشكل هذا الحضور الكثيف أثرًا موازيًا على الأدب والفن؟ ليست المشكلة في عدد النقاد، بل في غياب أثرهم، وتكدّس دراساتهم دون جدوى!! السبب الأبرز- في تقديري- هو تحوّل النقد من مواجهة الإبداع والعناية به، إلى خطاب يُكتب لاستعراض النقاد أمام بعضهم. (كما يحدث في المسرح التجريبي) وهنا يفقد النقد دوره كشريك في تطوير العمل الإبداعي، فيركض الإبداع في مكانه. كما أن الانجذاب إلى إرث الماضي بوصفه “أكثر أمانًا” جعل كثيرًا من النقاد يتجاهلون الإبداع المعاصر، دون قراءة عميقة تواكبه وتناول جاد يدفعه إلى الأمام. وزاد الأمر تعقيدًا حين أصبحت لغة النقد معقدة، غير قابلة للتداول. هذه الفجوة بين النقد والأدب أجدها على ثلاث احتمالات: أ. أن الأدب والفن يسبقان بإيقاع أسرع والنقد يلاحق ببطء تثقله النظريات واللغة المقعرة، فتتأخر أدوات التأثير عن مواكبة التجارب الجديدة. ب. أن النقد يحاول حراسة الجودة، فيواجه ما يُطرح باسم التجديد وهو في حقيقته ضعف في قراءة الإبداع ومتغيراته. جـ. أن الطرفين فقدا نقطة الالتقاء، فالمبدع يكتب خارج المعايير، والناقد يحاكم بمعايير لم تعد صلبة كما كانت في السابق. لقد غفل الناقد عن أدوار مهنية/إبداعية منتظرة منه، وهي تتمثل في اكتشاف مكامن الجمال، وتسليط الضوء على التجارب الحديثة، وتصنيف الاتجاهات المبتكرة، وقراءة ما يقدمه المبدعون بوصفه تعبيرًا عن بيئتهم وتحولاتها؛ لأن النقد الذي لا يضيء الطريق أمام الإبداع سيقف وحيدا في الظل بلا فائدة، ويظل الناقد يلوك الماضي دون اشتباك مع ماينتجه زمانه، ثرثارا بلغة لايفهمها بل لايستمع إليها أحد.. نحن بحاجة ماسة إلى نتاج نقدي يتقاطع مع الأدب المعاصر ويعظّم مكانته ويصقل الذائقة ويعيد تقديم الناقد كعنصر قيّم مهم في تنمية الجمال والاحتفاء به.

0