ياسر مدخلي

الإدارة الثقافية بين الحوكمة والأثر



لم يعد السؤال في القطاع الثقافي: كيف نطلق مبادرة جديدة؟ بل؛ كيف نبني كيانًا قادرًا على صناعة أثر يتجاوز لحظة الافتتاح ومكانه.

كثير من المشاريع الثقافية تبدأ بطاقة عالية وأفكار لافتة، لكنها تتعثر سريعًا حين تصطدم بظروف الإدارة، وتحديد الأولويات، وإدارة الموارد، المشكلة في الغالب ليست في ضعف الإبداع، بل في غياب نظام يحميه ويوجهه وهنا تظهر الحوكمة بوصفها ضرورة لا خيارًا، لكن ليس بصيغتها الثقيلة التي تخنق التجريب، بل كنظام ذكي يوازن بين الحرية والانضباط.

إن الرهان الحقيقي في التحول من تقييد الفنان، إلى تحريره من الفوضى، فحين تكون الأدوار واضحة، وآلية اتخاذ القرار محددة، والموارد مُدارة بوعي، يصبح الإبداع أكثر قدرة على التحليق والإدهاش. والتجربة المؤسسية أثبتت أن “الحوكمة المرنة” هي الأقرب لروح العمل الثقافي: قواعد قليلة لكنها حاسمة، ترسم الشخصية الإبداعية بدقة وجمال، وتخضع المهام إلى مراجعات مستمرة وليس إلى إجراءات معقدة، ومؤشرات أداء تقيس الاحتياج بقدر ما تقيس النتائج.

بهذه الصيغة، لا تصبح الحوكمة عائقًا، بل بنية تحتية تسمح للأفكار أن تنمو دون أن تنهار عند أول مواجهة للتحديات، وفي مقابل الحوكمة، تقف الاستدامة كتحدٍ لا يقل تعقيدًا. فالثقافة بطبيعتها تعتمد على الشغف، لكن الشغف وحده لا يبني نموذجًا قابلًا للاستمرار. والتحول المؤسسي يبدأ عندما نتعامل مع العمل الثقافي بوصفه منظومة قيمية، لا نشاطًا موسميًا. وتنويع مصادر الدخل، وبناء برامج جاذبة ونوعية يمكن المنظمة من تطوير منتجات قابلة للتوسع، وكذلك عقد الشراكات الاستراتيجية؛ كل ذلك يمكن المنظمة من أدوات تنقل المشروع من الاعتماد على اللحظة إلى القدرة على التمدد الناعم في المجتمع.

إن الأثر، المفهوم الأكثر التباسًا، وغالبًا ما يُختزل في أرقام الحضور أو حجم التفاعل اللحظي. لكن الأثر الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الفعالية، حين يتغير فهم، أو تتشكل عادة، أو تُبنى علاقة طويلة الأمد، ويمكن رصده عبر التغير المعرفي لدى الجمهور، والتحولات السلوكية التي تليه، واستمرارية التفاعل، وعدد الشراكات التي يولدها النشاط، وعمق التجربة التي يعيشها المشاركون. هذه مؤشرات تتطلب أدوات قياس مختلفة، تجمع بين البيانات الكمية والقراءات النوعية، وتتابع الأثر عبر الزمن لا في لحظته فقط.

في هذا السياق، أتحدث عن تجربتي في قيادة المشاريع الثقافية وربما تكون تجربة مسرح كيف التي تمتد لعقدين بجانب قيادتي لديوانية القلم الذهبي التي بالكاد أكملت العام، تجربتان مختلفتان في الظروف الزمنية والقدرات البشرية والإمكانيات المالية لكنها تعكس رؤيتي في إدارة المنظومة الثقافية بين الحوكمة والأثر…

ففي مسرح كيف، كان التعامل مع المسرح بوصفه نظامًا لإنتاج التجربة، لا مجرد منصة عرض. وتحقق بذلك الانتقال من العمل الفردي البسيط إلى نموذج مؤسساتي منظم أفضى إلى التحول باتجاه الكيان التعاوني المحوكم الذي سمح بتوزيع الأدوار وبناء استراتيجية متينة ومتطورة تتجاوز الاجتهاد الفردي إلى التنظيم المؤسساتي.

لم يعد الإنتاج في مسرح كيف هدفًا بحد ذاته، بل جزءًا من منظومة تشمل التدريب والتطوير وخدمة المجتمع والاستثمار في القدرات البشرية والمشاريع المواكبة، حيث يتحول كل مشروع إلى مساحة تعلّم ترفد الكيان بموارد بشرية ومالية في آن واحد. هذه المقاربة أعادت تعريف العلاقة بين الإبداع والإدارة، وجعلت من المنهج عنصرًا أساسيًا يمكن نقله وتكراره. وعلى نحو مختلف في الشكل، لكنها متقاطع في الجوهر، قدمت ديوانية القلم الذهبي نموذجًا يقوم على بناء مجتمع ثقافي حي. الفكرة بسيطة: مساحة مفتوحة للحوار حول كل مايتعلق بالقلم، لكنها محكومة بإطار مرن يحافظ على الجودة والاستمرارية دون أن يفقدها روحها الاجتماعية (ديوانية) والثقافية (القلم) والفاخرة (الذهبي).. من هنا بدأت صياغة الحوكمة التي شكلت آليات عمل المدير والمساعدين والمصورين والظهور الإعلامي والأهداف والسياسة العامة لاختصاصات الديوانية ..التي لا تسمح بفوضى تشوه الصورة الذهنية أو تجعل من هويتها ضبابية متغيرة.

الاستدامة هنا تعتمد على التمويل المباشر لكنها تضع رأس المال الاجتماعي فرصة للاستثمار في الأثر، وتكوين شبكة العلاقات بأساليب تعزز الانتماء للفكرة. وبمرور الزمن، يتحول هذا التفاعل إلى أثر متراكم يعيد إدخال الثقافة في الحياة اليومية، ويمنح الكلمة حضورًا يتجاوز الفعالية ذاتها. ويستعيد المبدع مكانته في مجتمعه ليؤثر فيه بثقة ويدرك مسؤوليته في البناء والتنمية، قدوة صالحة لمن حوله.

وتجربتا مسرح كيف وديوانية القلم الذهبي، رغم اختلاف أدواتهما، تشتركان في إدراك جوهري: أن الفكرة وحدها لا تكفي. وأن ما يمنحها الحياة هو النظام الذي يعطيها ثقلا جوهريا ومرونة تواكب متغيرات المجتمع، ويحولها إلى قيمة نوعية متنامية، تنتج أثرًا قابلًا للقياس.

هذا الإدراك يصبح أكثر إلحاحًا في ظل التحولات الثقافية التي تشهدها السعودية، حيث تتسع الفرص بقدر ما تتزايد المنافسة، ويصبح التميز مرهونًا بقدرة الكيانات على العمل بمنطق المؤسسة لا المبادرة. وفي لحظة تتجه فيها الأنظار إلى التدويل، يبرز سؤال آخر: ما الذي يجعل النص المحلي قادرًا على عبور الحدود؟ التجربة تشير إلى أن الخصوصية ليست عائقًا إذا انطلقت من إنسانية مشتركة. النص الذي يلامس قضايا كونية، ويُبنى بلغة درامية واضحة، ويُترجم ثقافيًا لا لغويًا فقط، يمتلك فرصة أكبر للوصول. هنا، لا يكون الهدف تذويب الهوية، بل تقديمها بصيغة مفهومة وقابلة للتلقي، حيث تتحول المحلية إلى مدخل للكوني لا نقيض له.

والحوكمة لها أثر يتعدى الإجراءات الإدارية والمالية والرقابية والقانونية إلى المنتجات الإبداعية المبتكرة والطموحة والقادرة على منافسة الخيارات الأخرى التي تتسابق في مضمار التأثير في الأجيال.

إذا أردت أن تعرف جودة الحوكمة في منظمة أنظر إلى نوعية منتَجها وأثرها في مجتمعها المحلي، قبل أن تنظر إلى الأرقام.

في الختام، لا يقاس النجاح الثقافي اليوم بجمال الفكرة أو عدد الحضور، بل بقدرة الكيان على الاستمرار، والتكيف، وصناعة أثر يتجاوز اللحظة. الإدارة ليست نقيض الإبداع، بل شرطه الخفي. وحين تنجح المنظمة في تحقيق هذا التوازن، تتحول من مشروع مؤقت إلى مؤسسة تصنع فرقًا حقيقيًا مرة عبر عرض مسرحي، ومرة عبر جلسة حوار، ومرة عبر فكرة تزرع أثرها في شخص لا نعرفه، لكنها تغيّر مسار ما سيقدمه لاحقًا. هذا هو الرهان، وهذه هي القيمة.

0