“الكوميديا” و مسيرة مسرح السعودية

“الكوميديا” أو كما ترجمها ابن رشد”الملهاة”أو كما عرفت لدى الشعوب اليوم بالضحك المتواصل  أو “الفكاهة” في أشكال متعددة مثل المايم والتقليد و(التنكيت) وكما يصطلح عليها المسرحيون فيما بينهم “إفيهات” من خلال إسقاطات أو ردود أفعال وانعكاسات جسدية.. كل هذا هو تطور للدلالة واللفظ  من زمن لآخر ومن مكان لغيره منها القديم والجديد والمبتكر , لذا أعتقد أننا لو أردنا التحدث عن الكوميديا في السعودية فعلينا معرفة أن كل هذه المعاني متداولة لدى السعوديين خصوصا وان المملكة العربية السعودية تتسم بمساحة جغرافية شاسعة وموروثات شعبية مختلفة وثرية في ذات الوقت وتتقيد بعقائدية واضحة وتندرج تحت سلسلة تاريخية مليئة بالأحداث والشخصيات، ولكن المسرح بالسعودية لازال متوترا.

من المعروف أن المسرح ينشأ شعوبيا ليعالج قضايا الشعب ويناقش الظواهر الاجتماعية ويتخذ من المشكلات المشتركة قوتا لنصوصه ودافعا لمخرجيه ومنبعا لإبداع ممثليه والمسرح يولد غالبا نتيجة ظروف تقاسيها المجتمعات ونظرا لمرور السعودية  بنهضة جبارة تعتبر ثورة في المجالات العمرانية والاقتصادية خلال العقود الماضية ساعدت على استقرار المجتمع السعودي (البدوي والمديني) من النواحي الأمنية والاقتصادية وبروزه بثقل سياسي مهم  وزادت ارتباطه اللصيق بجملة من الواجبات طوال السنة سيرا في خط صنعته يد التطور المفاجئ حيث نال رمضان الكريم وموسم الحج على نصيب كبير من السنة ينشغل بها الإعلام وتهتم به منابر الثقافة  لأنها مواسم دينية هامة والسعودية مقصد المسلمين فيها.

من ذلك نتج أثر سلبي على الحراك المسرحي بشكل عام حيث كان عاملا الاستقرار والانشغال مع سرعة النهوض الاجتماعي كافية لنيل الاهتمام التام ولذلك لم يشعر الشعب بحاجته للمسرح وكان للشعر والقصة والرواية حضور على استحياء برغم توفرها في التعليم العام والجامعي ووجودها بقوة في موروثنا العربي والسعودي, برغم بروز الكثير من المعارك الأدبية الطاحنة في المنتديات الثقافية والجامعات ووسائل الإعلام ,والحقيقة أن هناك عوامل أخرى أدت لتوتر مسيرة المسرح بالسعودية منها النظرة القاصرة للفنان وقلة الدعم وعدم وجود أكاديمية مسرحية تقدم المسرح بشكله الصحيح بعيدا عن استغلال المدعين له والذي أعطى المبرر المنطقي لمحاربة ظهوره.

لا يعني عدم الشعور بالحاجة إنكار تجارب رائدة لإقامة عروض مسرحية وتفعيل لحراك مسرحي مواكبة للسرعة الانتقالية التي يعيشها المجتمع, حيث قدمت مسرحية (كسرى والوفد العربي) لجلالة المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز آل سعود 1935م ,وبعدها ظهرت محاولات الأستاذ صالح بن صالح في القصيم بتفعيل مسرح التعليم 1959م , وقد كتب الأديب حسين سراج نص (الظالم لنفسه) 1952م  وتتوالى المحاولات الفردية “بمغامرة” الشيخ أحمد السباعي 1960م لإنشائه مدرسة قريش للتمثيل الإسلامي بمكة المكرمة والتي أجهضت في ظروف غامضة تأجيلا للمشروع رغم وجود تصريح له , وحفلات مدرسية متفرقة  في مدن المملكة كانت بالنسبة للمجتمعات الضيقة التي حولها لهو ومحض ترف لأنها اجتهادات لم تبن على أسس صحيحة وثقافة ملمة بالمسرح وحتى القضايا التي تطرح كانت إما قصص تقليدية أو مواقف أسرية أو توعوية إرشادية وغالبا ما تتحدث عن القضية الفلسطينية التي تبنتها الحكومة منذ بداية تأسيس المملكة.

سنوات تتوالى حتى ظهر تكوين رسمي اسمه الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون1973م تحت مظلة الرئاسة العامة لرعاية الشباب (أنذاك) والتي بدأت بتقديم أعمال مسرحية مثل “طبيب بالمشعاب” لإبراهيم الحمدان والمقتبسة عن النص العالمي” طبيب رغم أنفه” لموليير , والتي تشير بعض الكتب والمؤرخين إلى أنها تعد أول مسرحية جماهيرية بالمملكة ونشط بعد ذلك المسرح بالأندية الرياضية والجامعات والمدارس وأصبح نوعا ما مدرجا ضمن فقرات المهرجانات والاحتفالات السنوية ولا ننسى ان نذكر فتح شعبة الفنون المسرحية بجامعة الملك سعود بالرياض وإعادة إغلاقها عام1990م مما سبب إحباطا آخر للمسرحيين المتطلعين لحركة مسرحية ناهضة.

و في مواكبة للصحوة التي كانت ناشطة منذ 1969م وبعد حادثة جهيمان الذي حاول الاستيلاء على الحرم المكي الشريف 1979م  وتوالي الحروب (أزمة الخليج1991م, البوسنة والهرسك 1992م-1995م, الشيشان1994م والاحتلال الصهيوني لفلسطين ولبنان اللا منتهي) بدأت الأسر في المملكة بالهجرة بكثرة إلى المدينة بحثا عن العمل والرزق وهذا التغير المفاجئ ولَّد الكثير من الآراء والخلافات في امتزاج القبائل والأسر وباختلاف عاداتهم وتقاليدهم مما جعل الحياة بحاجة إلى مساحات أكبر للحوار والتداول والتي كانت خصبة لنشؤ مسرح ولكن لم يجد المسرح حظه مع غزو المنازل المحافظة بالقنوات الفضائية وثورة الإنترنت ومنتدياته التي عززت بعد المجتمع عن تبادل الثقافة والمعرفة بتخطيط مقنن وظل التعاطي من خلال تجارب ذاتية , وأصبح المسرحيون يمتطون المسرح كوسيلة لبلوغ عنان الفضائيات بعد أن ملوا غايتهم في تفعيله ومن أمثال المسرحيين الذين هجروه إلى الشاشة عبدالله السدحان وناصر القصبي ود.بكر الشدي(رحمه الله) ومحمد العلي(رحمه الله) وعبدالإله السناني وغيرهم كثر الذين لو استمروا في العطاء المسرحي لأوجدوا نهضة مسرحية مبكرة ولكنهم توقفوا عن المشاركة المسرحية بعد ظهورهم بالتلفاز مما جعل الجيل المسرحي الصاعد بلا أساتذة، جيل فقد الأكاديمية والخبرة ولازال يسير في تجاربه على مايرتشفه ارتشافا من وسائل الإعلام والكتب المتفرقة , ولا نغفل ركوب المسرح الجامعي والجمعيات على موجة المسرح التجريبي والغرائبي التي من المفترض أن تأتي كمرحلة تالية للمسرح الاجتماعي, وأصبح علينا ألا ننتظر الجهات الرسمية أن تنتج فقط.

لذلك لا نستطيع تحديد الكوميديا السعودية بشمولية في تجارب متفرقة ومتباعدة ولا يعني هذا إنكار وجودها حيث برزت في الدراما  التلفزيونية بشكل منافس عربيا. وفي ظل توتر الفعل المسرحي نشأت مجموعة من الفرق الخاصة التي قدَّم أغلبها الكوميديا (مسلوقة) وفوضوية لأن الفنان بها متحذلق يستجدي الضحكات بمحاولات مبتذلة واجهت نقد المجتمع الذي لازال في داخله متمسكا بمبادئ دينية أخلاقية ووطنية لذلك كانت نشأت مثل هذه الفرق عاملا آخر لتكوين صورة مشوهة للمسرح كجنس فني تكونت في  الذهنية بأنه إما نخبوي غامض أو تهريج ساذج.

ولكن لم تقف الفرق عند هذه النماذج بل نشأت فرق تهتم بتحسين الصورة الذهنية لدى المتلقين ولازالت تسعى لصناعة جمهور ذواق تتشارك معه في الأفكار والمقترحات وتوجه له بعض البروتوكولات المتبعة وتختار نصوصها وخشبات عرضها بعناية لتقديم الكوميديا بشكل أكثر رقيا من خلال إسقاطات ساخرة تمتزج بالسياسة والفكر والسلبيات الاجتماعية مع مراعاة الاعمار المتفاوتة للجمهور وأجناسه المختلفة وتنوع لهجاته, ومن هذه النماذج الحية فرقة كيف للفنون المسرحية التي أسستها منذ7/ 6/1427هـ الاثنين 3 يوليو 2006 م وحتى اليوم لازلنا نوزع استبانات للجمهور ونبني معهم علاقة المصنِّع بعملائه وقد حازت الفرقة على إعجاب العديد من المسئولين والمثقفين وهي الفرقة الوحيدة التي تستند على لائحة سياسة تنظيمية  وتعمل تحت شعار, نحو مسرح سعودي كيف كرد عملي على الكم الهائل من المسرحيات الغير هادفة.

واليوم بدأت تتغير تلك الفكرة بان المسرح ذريعة للملاهي الليلية ولكن ظلت المشكلة في عزوف الفنانين عن المسرح والتي أذنت للمنتجين الماديين القيام بسد النقص من خلال استيراد الكوميديا من دول مجاورة ولكنها لم تفلح حيث لم تتقبلها العائلة السعودية كجمهور له العديد من التحفظات والثقافة التربوية, وبحضر الكوميديا التجارية المستوردة اخذ الشباب في المسرح  السعودي فرصته للظهور على الخشبة والذي نال النجاح من خلال جملة من المهرجانات المحلية والدولية.

إن الكوميديا السعودية لم يتم تحديدها حتى اليوم بشكل قاطع في منهجية واضحة ومعينة ولكن من خلال تواجدي المتواضع في بعض المهرجانات والعروض المسرحية المتفرقة, وقراءتي المتكررة أجدها أصبحت ضرورة بمعظم أشكالها بعدما كانت ترفا بل وتتجه الأعمال اليوم إلى الكوميديا السوداء والرمزية مع اتساع هامش الحرية برغم احتفاظ المجتمع بخصوصيته الدينية والوطنية والاجتماعية ولم تقتصر الكوميديا على إفيهات يطلقها الفنان بل كانت تتنوع بين المباشرة نحو المسؤولين مدراء وجهات وحتى الوزراء والرمزية التي تتحرش بالسياسة بحذر من خلال إيماءات تفسر معنى آخر غير الفكرة السطحية للكلام.

هذا بخلاف الإبداع في التقليد والابتكار لأن المجتمع السعودي لازال يحوي نماذج لم تطرق بعد ومواقف لم تسجل وكمية هائلة من القضايا لم تستهلك فضلا عن الموروث الهائل الذي لم ينهل منه الفنان السعودي سوى القليل , لذلك يمر المسرح اليوم بمرحلة النشأة الشرعية من خلال جمعية المسرحييين السعوديين 2008م والتي تسعى إلى تدعيم النهضة المعرفية مواكبة للنهضة الحضارية السعودية بتواجد مجموعة من الاعمال في المهرجانات وإرسال الشباب الموهوب في بعثات فنية لدعم الحركة بمن لديهم التجربة والعلم لتكوين جيل أساتذة لمسرحيي الغد.

لقد كشفت الكوميديا المسرحية في السعودية الحقيقة التي يعيشها المواطن بين البيروقراطية والروتين والسلوكيات الخاطئة وأوصلت صوته المطالب بالتحسين والتطوير تحت قيادة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الحكيمة والساعية لإيجاد كافة أساليب الحوار الوطني بدلا من النقاش في دوائر ضيقة غير مجدية, وفي مسرحية مجانين (مثلا) لم نسعى للإضحاك بل قدما نماذج من المجتمع في مصحة عقلية افتراضية يعيشون هاربين من أحلامهم وواقعهم ليستيقظ الضمير بداخلهم داعيا إياهم رفع الستار عن عقولهم والموازنة مابين المنطق والأحلام, فأحدهم يحلم بالثروة ويكونها بعد عقوقه بأبيه، لتتكرر معه القصة ولكن من ابنه , فلماذا ننسى أن أحلامنا لا تبنى على هدم أحلام الآخرين, وآخر شاب طمع في تكوين الثروة من وراء انتعاش مفاجئ في سوق الأسهم وبعد استغلال أموال الطامعين ووعدهم بالمكاسب يتنازل سعر السوق ليجد نفسه مديونيرا بدلا من مليونيرا فيهرب للمصحة متظاهرا بالجنون لإنقاذ نفسه من سجن إلى سجن , وثالث يعيش حياة الناقم على المجتمع الفوضوي ويحلم (فقط) بمدينة فاضلة وأناس فضلاء ليحل مشاكل الدنيا بدأ من البر والصدق وحتى الوحدة العربية ويستمر دائما في النقد دون العمل ليصطدم في النهاية بأنه ليس كذلك لأن من يحلم بهذا الحلم أول أن يكون فاضلا, والرابع شخصية الممرض المستغل للسلطة بسرقة ميزانية المصحة وإدعاءه موهبة الشعر ويكشف في النهاية بأنه متخرج بتخصص أعمال مكتبية ليظهر أن الواسطة هي داعمه الأول والأخير.

وبعد مشاهد الجنون يدرك الثلاثة المجانين أن حقيقتهم غير ذلك ويمكنهم فعل ما هو أكثر فقرروا الخروج من هذا السجن الافتراضي متغلبين على المرتزق والوصولي وهو أهم نقطة للوصول نحو تحقيق الاحلام، لينطق الضمير بصوت واحد قائلا:علينا التخلص من المحبطين والوصوليين أو تجاهلهم لنسعى نحو تحقيق أحلامنا.

المسرحية ناقشت كمية كبيرة من المشكلات الاجتماعية والفنية والسياسية والاقتصادية وحتى الدينية بشكل لم يخالطه لفظ شاذ او شتم أو تجريح في جنسية أو مذهب أو قبيلة.. ومما زاد عجب الجمهور إعجاب أفراد متحفظين جدا تجاه المسرح حتى أن أحد الأفاضل المتحفظين قال بعد العرض: (لقد شعرت بأني شخصية سعيد) وهي شخصية الباحث عن الحياة الفاضلة.

لذلك أعتقد أن الكوميديا في السعودية ذات وتيرة أسرع حيث يتم الإيماء والإسقاط و(الإفيه) بسرعة كبيرة خصوصا وأن المسرحيات في السعودية نادرا ما تتجاوز الساعة, وهذا ما يدعم عنصر التركيز بترك الحشو حتى لو كان مضحكا جدا.

  • ياسر مدخلي

**الصورة من تصويري لعرض مسرحية ( المحطة لا تغادر ) التي عرضت في باكو / أذربيجان ويظهر الفنان سامي الزهراني والفنان مساعد الزهراني .. وهما من مبدعي المسرح في السعودية .. عضوا ورشة الطائف للعمل المسرحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *